فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 392

* قال الربيع بن خيثم: أريدوا بهذا الخير الله: تنالوه، لا بغيره؛ وأكثروا ذكر هذا الموت، الذي لم تذوقوا قبله مثله؛ فإن الغائب إذا طالت غيبته: وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم.

* عن هرم بن حيان العبدي، أنه كان يقول: ما رأيت مثل الجنة: نام طالبها، ولا مثل النار: نام هاربها؛ قال: وكان يقول: أخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، وأدخلوا قلوبكم حب الآخرة. (2/ 119)

* قال الحسن البصري: إن المؤمن: يصبح حزينًا، ويمسي حزينًا، ولا يسعه غير ذلك؛ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى: لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.

* عن الحسن البصري قال: يحق لمن يعلم: أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده: أن يطول حزنه.

* عن الحسن البصري: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز ـ والسياق: لأبي حميد الشامي ـ أعلم، أن التفكر: يدعو إلى الخير، والعمل به؛ والندم على الشر: يدعو إلى تركه؛ وليس ما يفنى ـ وإن كان كثيرًا ـ يعدل ما يبقى، وإن طلبه عزيزًا؛ واحتمال المؤونة المنقطعة، التي تعقب الراحة الطويلة: خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية.

فاحذر هذه الدار: الصارعة، الخادعة، الخاتلة: التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة: العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة.

فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أخبر عنها مدكر.

فأبت القلوب لها إلا حبًا، وأبت النفوس بها إلا ضنًا، وما هذا منالها إلا عشقًا؛ ومن عشق شيئا: لم يعقل غيره، ومات في طلبه، أو يظفر به؛ فهما عاشقان، طالبان لها.

فعاشق قد ظفر بها، واغتر، وطغى، ونسي بها المبدأ والمعاد: فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته: فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته، مع ما عالج من سكرته، واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به.

وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فذهب بكربه وغمه، لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب؛ خرجا جميعًا بغير زاد، وقدما على غير مهاد.

فاحذرها الحذر كله، فإنها مثل الحية: لين مسها، وسمها يقتل؛ فاعرض عما يعجبك فيها: لقلة ما يصحبك منها؛ وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها: لرخاء ما يصيبك، وكن أسر ما تكون فيها؛ احذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له: أشخصته عنها بمكروه؛ وكلما ظفر بشيء منها، وثنى رجلا عليه: انقلبت به.

فالسار فيها غار، والنافع فيها غدًا ضار؛ صل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها، مشوب بالحزن؛ وآخر الحياة فيها: الضعف، والوهن.

فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق؛ واعلم: أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن؛ لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فيها، فينتظر.

فاحذرها: فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر: إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية.

فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى: لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلًا، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار: قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل؛ فكيف؟ وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ.

فما لها عند الله عز وجل قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراه في جميع الثرى، ولا خلق خلقًا فيما بلغت: أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها: مقتًا لها؛ ولقد عرضت على نبينا - صلى الله عليه وسلم - بمفاتيحها وخزائنها، ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء، إلا أنه علم: أن الله تعالى أبغض شيئًا فأبغضه، وصغر شيئًا فصغره، ووضع شيئًا فوضعه؛ ولو قبلها: كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه: كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه؛ ولو لم يدله على صغر هذه الدار، إلا أن الله تعالى حقرها: أن يجعل خيرها ثوابًا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذابًا للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها.

وقد يدلك على شر هذه الدار: أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه: اختبارًا وبسطًا لغيرهم، اعتبارًا واغترارًا؛ ويظن المغرور بها، والمفتون عليها أنه: إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وموسى المختار عليه السلام بالكلام له وبمناجاته؛ فأما محمد - صلى الله عليه وسلم: فشد الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى عليه السلام: فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل: إلا طعاما يأكله من جوعه، ولقد جاءت الروايات عنه: أن الله تعالى أوحى إليه: أن يا موسى، إذا رأيت الفقر مقبلًا، فقل: مرحبًا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل، فقل: ذنب عجلت عقوبته؛ وإن شئت: ثلثته بصاحب الروح والكلمة، ففي أمره عجيبة، كان يقول: أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر وصلاتي في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني: ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وليس أحد أغنى مني، ولو شئت: ربعت بسليمان ابن داود عليهما السلام، فليس دونهم في العجب: يأكل خبز الشعير في خاصته، ويطعم أهله: الخشكار، والناس: الدرمك، فإذا جنه الليل: لبس المسوح، وغل اليد إلى العنق، وبات باكيًا حتى يصبح؛ يأكل الخشن من الطعام، ويلبس الشعر من الثياب.

كل هذا: يبغضون ما أبغض الله عز وجل، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما فيه زهد؛ ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا الكد والعير، وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرور: الذي إلى الفناء يصير؛ ونظروا إلى آخر الدنيا، ولم ينظروا إلى أولها؛ ونظروا إلى عاقبة مرارتها، ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر، أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة: التي لا يحل الشبع منها، إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس، ويقي الروح، ومكن اليوم، وجعلوها بمنزلة الجيفة: التي قد اشتد نتن ريحها، فكل من مر بها: أمسك على أنفه منها؛ فهم يصيبون منها لحال الضر، ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن.

فقرنت عنهم، وكانت هذه منزلتها من أنفسهم؛ فهم يعجبون من الآكل منها شبعًا، والمتلذذ بها أشرًا؛ ويقولون في أنفسهم: أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل؟ أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة: أنتن من الجيفة المرصوفة؛ غير أن أقوامًا استعجلوا الصبر، فلا يجدون ريح النتن؛ والذي نشأ في ريح الإرهاب النتن: لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده؛ وقد يكفي العاقل منها: أنه من مات عنها، وترك مالا كثيرًا سره: أنه كان فيها فقيرًا، أو شريفًا، أنه كان فيها وضيعًا، أو كان فيها معافى: سره أنه كان فيها مبتلى، أو كان مسلطنًا: سره أنه كان فيها سوقة؛ وإن فارقتها: سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة؛ أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها؟

والله، لو كانت الدنيا، من أراد منها شيئًا: وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب؛ غير أنه إذا أخذ منها شيئًا: لزمته حقوق الله فيه، وسأله عنه، ووقفه على حسابه.

لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها: إلا قدر قوته، وما يكفي حذر السؤال وكراهية: لشدة الحساب.

وإنما الدنيا إذا فكرت فيها: ثلاثة أيام: يوم مضى، لا ترجوه؛ ويوم أنت فيه: ينبغي لك أن تغتنمه؛ ويوم يأتي: لا تدري: أنت من أهله، أم لا؟ ولا تدري: لعلك تموت قبله؛ فأما أمس: فحكيم مؤدب، وأما اليوم: فصديق مودع، غير أن أمس؛ وإن كان قد فجعك بنفسه: فقد أبقى في يديك حكمته؛ وإن كنت قد أضعته: فقد جاءك خلف منه؛ وقد كان عنك طويل الغيبة، وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدًا أيضًا في يديك منه أمله.

فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل، قبل حلول الأجل؛ وإياك أن تدخل على اليوم: هم غد، أو هم ما بعده؛ زدت في حزنك، وتعبك، وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك؛ هيهات: كثر الشغل، وزاد الحزن، وعظم التعب، وأضاع العبد العمل بالأمل.

ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك: أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك؛ غير أن الأمل منك في الغد: دعاك إلى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب؛ ولئن شئت واقتصرت: لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين: ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها.

فأما الماضية والباقية: فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألما؛ وإنما الدنيا: ساعة أنت فيها، فخدعتك تلك الساعة عن الجنة، وصيرتك إلى النار؛ وإنما اليوم ـ إن عقلت ـ: ضيف نزل بك، وهو مرتحل عنك؛ فإن أحسنت نزله وقراه: شهد لك، وأثنى عليك بذلك، وصدق فيك؛ وإن أسأت ضيافته، ولم تحسن قراه: جال في عينيك.

وهما يومان، بمنزلة الأخوين: نزل بك أحدهما، فأسأت إليه، ولم تحسن قراه فيما بينك وبينه؛ فجاءك الآخر بعده، فقال: إني قد جئتك بعد أخي، فإن إحسانك إلي: يمحو إساءتك إليه، ويغفر لك ما صنعت؛ فدونك إذ نزلت بك، وجئتك بعد أخي المرتحل عنك، فلقد ظفرت بخلف منه إن عقلت؛ فدارك ما قد أضعت، وإن ألحقت الآخر بالأول؛ فما أخلقك إن تهلك بشهادتهما عليك.

إن الذي بقي من العمر: لا ثمن له، ولا عدل؛ فلو جمعت الدنيا كلها: ما عدلت يومًا بقي من عمر صاحبه؛ فلا تبع اليوم، ولا تعدله من الدنيا بغير ثمنه،، ولا يكونن المقبور أعظم تعظيمًا لما في يديك منك وهو لك.

فلعمري: لو أن مدفونًا في قبره قيل له: هذه الدنيا، أولها إلى آخرها: تجعلها لولدك من بعدك، يتنعمون فيها من ورائك ـ فقد كنت، وليس لك هم غيرهم ـ أحب إليك، أم يوم تترك فيه تعمل لنفسك؟ لاختار ذلك؛ وما كان ليجمع مع اليوم شيئًا: إلا اختار اليوم عليه: رغبة فيه، وتعظيمًا له.

بل: لو اقتصر على ساعة: خيرها، وما بين أضعاف ما وصفت لك، وأضعافه يكون لسواه: إلا اختار الساعة لنفسه، على أضعاف ذلك يكون لغيره.

بل: لو اقتصر على كلمة يقولها، تكتب له؛ وبين ما وصفت لك وأضعافه: لاختار الكلمة الواحدة عليه.

فانتقد اليوم لنفسك، وأبصر الساعة، وأعظم الكلمة، واحذر الحسرة عند نزول السكرة؛ ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة.

نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

(2/ 134ـ140)

* قال الحسن البصري: رحم الله امرئ عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر.

فإن أقوامًا عرفوا: فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا.

اتقوا هذه الأهواء المضلة، البعيدة من الله؛ التي: جماعها الضلالة، وميعادها النار، لهم محنة: من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته.

يا ابن آدم: دينك دينك، فإنه هو لحمك ودمك، إن يسلم لك دينك: يسلم لك لحمك ودمك؛ وإن تكن الأخرى: فنعوذ بالله؛ فإنها نار لا تطفئ، وجرح لا يبرأ، وعذاب لا ينفد أبدًا، ونفس لا تموت.

يا ابن آدم: إنك موقوف بين يدي ربك، ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت: يأتيك الخبر؛ إنك مسئول، ولا تجد جوابًا؛ إن العبد لا يزال بخير: ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همه.

(2/ 145ـ146)

* قال الحسن البصري: يا ابن آدم، سرطًا سرطًا، جمعًا جمعًا في وعاء، وشدًا شدًا في وكاء: ركوب الذلول، ولبوس اللين؛ ثم قيل: مات، فأفضى والله إلى الآخرة.

إن المؤمن: عمل لله تعالى أيامًا يسيرة؛ فوالله، ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن: راقت الدنيا له، فاستهانها، وهضمها لآخرته، وتزود منها؛ فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها، ولم يفرح برخائها؛ ولم يتعاظم في نفسه شيء من البلاء إن نزل به، مع احتسابه للأجر عند الله؛ ولم يحتسب نوال الدنيا، حتى مضى: راغبًا راهبًا.

فهنيئًا هنيئًا، فأمن الله بذلك روعته، وستر عورته، ويسر حسابه؛ وكان الأكياس من المسلمين يقولون: إنما هو الغدو والرواح، وحظ من الدلجة والاستقامة؛ لا يلبثك يا ابن آدم: أن على الخير؛ حتى أن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة: فقد أفلح؛ وأن الله تعالى: لا يخدع عن جنته، يعطى بالأماني؛ وقد اشتد الشح، وظهرت الأماني، وتمنى المتمني في غروره.

(2/ 146ـ147)

* عن الحسن البصري قال: ابن آدم، إنما أنت أيام: كلما ذهب يوم، ذهب بعضك.

* عن الحسن البصري قال: إن أفسق الفاسقين: الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه؛ ويقول: ليس علي بأس؛ سيعلم أن الله تعالى: ربما عجل العقوبة في الدنيا، وربما أخرها ليوم الحساب.

* عن الحسن البصري قال: رحم الله رجلًا: لبس خلقًا، وأكل كسرةً، ولصق بالأرض، وبكى على الخطيئة، ودأب في العبادة.

* قال الحسن البصري: ابن آدم: أصبحت بين مطيتين لا يعرجان بك: خطر الليل والنهار، حتى تقدم الآخرة: فإما إلى الجنة، وإما إلى النار؛ فمن أعظم خطرًا منك؟.

* عن الحسن البصري قال: لما بعث الله عز وجل محمدًا - صلى الله عليه وسلم: يعرفون وجهه، ويعرفون نسبه؛ قال: هذا نبي، هذا خياري، خذوا من سنته وسبيله؛ أما والله، ما كان يغدى عليه بالجفان، ولا يراح، ولا يغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجبة؛ كان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، وكان يلعق يده.

* عن الحسن البصري قال: رحم الله رجلًا: لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس؛ ابن آدم: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك؛ ابن آدم: وأنت المعنى، وإياك يراد.

* عن الحسن البصري قال: يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في خير: فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في هلكة: فذرهم، وما اختاروا لأنفسهم.

قد رأينا أقوامًا: آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فذلوا، وهلكوا، وافتضحوا.

يا ابن آدم، إنما الحكم حكمان: فمن حكم بحكم الله: فإمام عدل، ومن حكم بغير حكم الله: فحكم الجاهلية.

إنما الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فعامل الله بطاعته، وأما الكافر: فقد أذله الله ـ كما قد رأيتم ـ، وأما المنافق: فههنا معنا في الحجر، والطرق، والأسواق ـ نعوذ بالله ـ؛ والله، ما عرفوا ربهم اعتبروا انكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة؛ وإن المؤمن: لا يصبح إلا خائفًا ـ وإن كان محسنًا ـ، لا يصلحه إلا ذلك؛ ولا يمسي إلا خائفًا ـ وإن كان محسنا ـ لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى: لا يدري ماذا يصنع الله تعالى فيه، وبين أجل قد بقي: لا يدري ما يصيب فيه من الهلكات.

إن المؤمنين: شهود الله في الأرض: يعرضون أعمال بني آدم على كتاب الله، فمن وافق كتاب الله: حمد الله عليه، وما خالف كتاب الله: عرفوا أنه مخالف لكتاب الله، وعرفوا بالقرآن: ضلالة من ضل من الخلق.

(2/ 157ـ158)

* عن الحسن البصري قال: خصلتان من العبد، إذا صلحتا: صلح ما سواهما: الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة؛ قال الله عز وجل: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113] . وقال الله عز وجل وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه: 81] .

* عن حماد عن ثابت: أن مطرفًا كان يقول: لو أن رجلًا رأى صيدًا، والصيد لا يراه يختله: أليس يوشك أن يأخذه؟ قالوا: بلى؛ قال: فإن الشيطان هو يرانا، ونحن لا نراه، فيصيب منا.

* عن أبي السليل قال: أتيت صلة العدوي، فقلت له: علمني مما علمك الله عز وجل؛ قال: أنت اليوم مثلي ـ أو نحوي ـ، حيث أتيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتعلم منهم؛ فقلت لهم: علموني مما علمكم الله؛ فقالوا: انتصح للقرآن، وانصح للمسلمين، وأكثر من دعاء الله ما استطعت، ولا تكونن قتيل العصا، قتيل عمية.

يا آل فلان، فإني لا أبالي: أبرجله مدت، أم برجل خنزير؟ وإياك، وقومًا يقولون: نحن المؤمنون، وليسوا من الإيمان على شيء: هم الحرورية، هم الحرورية.

(2/ 237ـ238)

* عن أبي عمران الجوني قال: لا يغرنكم من الله تعالى: طول النسيئة، ولا حسن الطلب؛ فإن أخذه أليم شديد.

* عن أبي عمران الجوني قال كثيرًا: اهتبلوا غفلة الحمقى، وامضوا حيث أعلم لكم، وكلوا ما لا تعلمون إلى عالمه، قبل أن يأتي حضور مالا تستطيعون دفعه: من الموت، وجلائل الأمور.

* عن ثابت البناني قال: وأي عبد أعظم حالًا، من عبد: يأتيه ملك الموت وحده، ويدخل قبره وحده، ويوقف بين يدي الله وحده؛ ومع ذلك: ذنوب كثيرة، ونعم من الله كثيرة.

* عن قتادة قال: ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا بنشاط؛ فإن نفسك: إلى السآمة، وإلى الفترة، وإلى الملل أميل؛ ولكن المؤمن: هو المتحامل، والمؤمن المتقوي؛ وأن المؤمنين: هم العجاجون إلى الله بالليل والنهار، وما زال المؤمنون يقولون: ربنا، ربنا؛ في السر والعلانية، حتى استجاب لهم.

* عن قتادة قال: يا ابن آدم، لا تعتبر الناس بأموالهم ولا أولادهم، ولكن: اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح؛ إذا رأيت عبدًا صالحًا يعمل فيما بينه وبين الله خيرًا، ففي ذلك فسارع، وفي ذلك فنافس ما استطعت إليه قوة؛ ولا قوة إلا بالله. (2/ 336)

* عن قتادة قال: اجتنبوا نقض هذا الميثاق، فإن الله تعالى: قد قدم فيه، وأوعد، وذكره في آي من القرآن: تقدمة، ونصيحة، وحجة؛ وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله، عند ذوي العقل والفهم، والعلم بالله عز وجل؛ وإنا ما نعلم الله تعالى: أوعد في ذنب، ما أوعد في نقض هذا الميثاق.

وإن المؤمن: حي القلب، حي البصر؛ سمع كتاب الله فانتفع به، ووعاه، وحفظه، وعقله عن الله.

والكافر: أصم، أبكم، لا يسمع خيرًا، ولا يحفظه، ولا يتكلم بخير، ولا يعلمه في الضلالة؛ متسكعا فيها، لا يجد منها مخرجًا ولا منفذًا؛ أطاع الشيطان، فاستحوذ عليه؛ وتلا قوله: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] . قال: خصومة علمها الله عز وجل محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة.

وإن الله عز وجل: علمكم: فأحسن تعليمكم، وأدبكم: فأحسن تأديبكم؛ فأخذ رجل بما علمه الله، ولا يتكلف مالا علم به: فيخرج من دين الله، ويكون من المتكلفين.

وإياكم: والتكلف، والتنطع، والغلو، والإعجاب بالأنفس؛ تواضعوا لله عز وجل، لعل الله يرفعكم؛ قال قتادة: قد رأينا والله أقوامًا: يسرعون إلى الفتن، وينزعون فيها؛ وأمسك أقوامًا عن ذلك: هيبة لله، ومخافة منه؛ فلما انكشفت: إذا الذين أمسكوا: أطيب نفسًا، وأثلج صدورًا، وأخف ظهورًا من الذين أسرعوا إليها، وينزعون فيها؛ وصارت أعمال أولئك: حزازات على قلوبهم كلما ذكروها؛ وأيم الله، لو أن الناس يعرفون من الفتنة إذا أقبلت، كما يعرفون منها إذا أدبرت: لعقل فيها جيل من الناس كثير؛ والله، ما بعثت فتنة قط: إلا في شبهة وريبة؛ إذا شبت، رأيت صاحب الدنيا: لها يفرح، ولها يحزن، ولها يرضى، ولها يسخط؛ ووالله، لئن تشبث بالدنيا، وحدب عليها: ليوشك أن تلفظه، وتقضي منه.

(2/ 336ـ337)

* عن قتادة قال: عليكم بالوفاء بالعهد، ولا تنقضوا هذه المواثيق؛ فإن الله قد نهى عن ذلك، وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية: نصيحة لكم، وتقدمة إليكم، وحجة عليكم.

قال الله عز وجل: {وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} [إبراهيم: 14] . وعدهم الله النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده؛ فقال: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] .

وقال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46] . وأن لله تعالى مقامًا هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام: فنصبوا، ودأبوا بالليل والنهار؛ وقال: {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} [إبراهيم: 47] . فخافوا والله ذلك: فعملوا، ونصبوا، ودأبوا بالليل والنهار.

وقال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم: 31] علم الله أن في الدنيا خلالًا يتخاللون بها في الدنيا؛ فلينظر الرجل على من يخالل، ومن يصاحب؛ فإن كان لله: فليداوم؛ وإن كان لغير الله: فليعلم أن كل خلة: ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة؛ إلا خلة المتقين.

(2/ 337ـ338)

* عن قتادة قال: كان يقال: إن الناس لا يطئون إلا آثارًا، ولا يتكلمون إلا برجيع من القول؛ المحسن على إثر المحسن: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ والمسيء على إثر المسيء: عمله كعمله، وثوابه كثوابه؛ وإن البر التقي: عند فعله يحل؛ وإن الفاجر الشقي: عند فعله يحل؛ كل سيهجم على ما قدم، ويعاين ما قد أسلف: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

* عن قتادة قال: يا أيها الذين آمنوا، اصبروا على ما أمر الله، وصابروا أهل الضلالة: فإنكم على حق، وهم وعلى باطل؛ ورابطوا في سبيل الله، واتقوا الله لعلكم تفلحون.

* عن هشام بن حسان قال: قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت أبا عبد الله؟ قال: قريبًا أجلي، بعيدًا أملي، سيئًا عملي.

* عن مالك بن دينار قال: إنكم في زمان أشهب، لا يبصر زمانكم إلا البصير؛ إنكم في زمان كثير تفاخرهم، قد انتفخت ألسنتهم في أفواههم، وطلبوا الدنيا بعمل الآخرة؛ فاحذروهم على أنفسكم: لا يوقعونكم في شباكهم.

* عن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: من تباعد من زهرة الحياة الدنيا، فذلك: الغالب لهواه؛ ومن فرح بمدح الباطل: فقد أمكن الشيطان من دخول قلبه؛ يا قارئ: أنت قارئ، ينبغي للقارئ: أن يكون عليه دارعة صوف، وعصا راع، يفر من الله إلى الله عز وجل، ويحوش العباد على الله تعالى.

* عن يحيى بن أبي كثير قال: ست من كن فيه، فقد استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف، والصيام في الصيف، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، والتبكير بالصلاة في يوم الغيم، وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق، والصبر على المصيبة.

* عن يحيى بن أبي كثير: أن سليمان قال لابنه: يا بني، لا تعجب: ممن هلك، كيف هلك؛ ولكن اعجب: ممن نجا، كيف نجا؛ يا بني، لا غنى أفضل من صحة جسم، ولا نعيم أفضل من قرة عين.

* عن جعفر قال: دخلنا على أبي التياح نعوده؛ فقال: والله، إنه لينبغي للرجل المسلم: أن يزيده ما يرى في الناس من التهاون بأمر الله، أن يزيده ذلك: جدًا، واجتهادًا؛ ثم بكى.

* عن عاصم الأحول قال: قال لي فضيل الرقاشي: يا هذا، لا يشغلك كثرة الناس عن نفسك؛ فإن الأمر يخلص إليك دونهم، وإياك أن تذهب نهارك، تقطعه ههنا وههنا، فإنه محفوظ عليك؛ رأيت شيئًا قط: أحسن طلبًا، ولا أسرع إدراكًا: من حسنة حديثة لذنب قديم.

* عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ما من شيء أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل، وما يدفع القضاء: إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثوابًا: البر، وأسرع الشر عقوبة: البغي، وكفى بالمرء عيبًا: أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس: بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه: بما لا يعنيه. (3/ 188)

* عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال: لما قال سفيان الثوري: لا أقوم حتى تحدثني، قال له: أنا أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير؛ يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة، فأحببت بقائها ودوامها: فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عز وجل قال في كتابه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] . وإذا استبطأت الرزق: فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10ـ12] . يا سفيان، إذا حزبك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة؛ فعقد سفيان بيده، وقال: ثلاث، وأي ثلاث؟ قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله، ولينفعنه الله بها.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت