وإذا أفطر من صومه فلا يجب عليه القضاء عند جمهور العلماء، نظرا إلى أن الصائم المتطوع أمير نفسه، فإذا أراد أن يقطع صيامه فله ذلك، وذكر ابن عبد البر أن العلماء لا يختلفون في ذلك إذا أفطر ناسيا، فقال والفقهاء كلهم من أهل الرأي والأثر يقولون: إن المتطوع إذا أفطر ناسيا أو غلبه شيء، فلا قضاء عليه [1] .
ورد ذلك بأن الحنفية يقولون بوجوب القضاء والحالة هذه، فلا يفرقون بين من أفطر بعذر كالنسيان وبين من أفطر بغير عذر، حتى قالوا: إن الصائمة تطوعا إذا حاضت عليها القضاء في أصح الروايتين. واستثنوا من ذلك إذا شرع متطوعا في خمسة أيام: يومي العيدين وأيام التشريق فلا يلزمه قضاءها بإفسادها في ظاهر الرواية [2] .
واستدلوا بما روي عن عائشة: قالت: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا، فَقَالَتْ: يَا رسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا صَائِمتَيْنِ، فَعَرَضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، قَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ"أخرجه الترمذي [3] والنسائي [4] والبيهقي [5] من طريق الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة مرفوعا، واختلف في وصله وإرساله، والمرجح عند الحفاظ أنه مرسل، قال الترمذي بعدما أخرج الحديث: وروى صالح بن أبي الأخضر و محمد بن أبي حفصة هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا (يعني رواية جعفر بن برقان عن الزهري) ، ورواه مالك بن أنس و معمر و عبيد الله بن عمر و زياد بن سعد و غير واحد من الحفاط عن الزهري عن عائشة مرسلا ولم يذكروا فيه عن (عروة) وهذا أصح؛ لأنه روي عن ابن جريج"
(1) . التمهيد (12/ 72) ، الاستذكار (3/ 355) .
(2) .انظر: المبسوط؛ للسرخسي (3/ 126) ، نور الإيضاح ونجاة الأرواح في الفقه الحنفي؛ للشرنبلالي المصري الحنفي (1/ 142) ، عمدة القاري (17/ 47) .
(3) . السنن في الصيام، باب: ما جاء في إيجاب القضاء عليه، رقم: 735 (3/ 112) .
(4) . السنن الكبرى في الصيام، باب: ما يجب على الصائم المتطوع إذا أفطر، رقم: 3291 (2/ 247) .
(5) .السنن الكبرى في الصيام، باب من رأى عليه القضاء، رقم: 8147 (4/ 280) .