وقد أجاب العلماء عن استدلالهم بحديث جابر أنه محمول علي شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير تأخير، وما روي عن أبي بكر وابن مسعود ومعاوية وغيرهم أنهم صلوا قبل الزوال فهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج، كما تقدم بيانه، فلا يعارض به ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآثار الثابتة عن غير واحد من الصحابة فمن بعدهم في أن وقت الجمعة بعد الزوال لا قبله، وأنها لا تصح قبله، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في شرحه لترجمة الإمام البخاري حيث قال:"باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس"فقال ابن حجر: جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها، لضعف دليل المخالف عنده [1] .
وقد ساق ابن عبد البر الأحاديث التي احتج بها لهذا القول ثم ذكر علل تلك الأخبار وضعف أسانيد بعضها ووهائها، وأنه لم يأت من وجه يحتج به إلى ما يدفعها من الأصول المشهورة [2] .
ومما يبدو لي أن دعوى الإجماع في المسألة مردودة وغير صحيحة، والخلاف فيها محفوظ، وإن كانت الحجج التي استند إليها المخالفون للجمهور غير قادرة على الصمود أمام أدلتهم القوية الصريحة في المراد، وعدم اعتبار أدلتهم ناهضة للاحتجاج لا يعني إلغاء آراءهم وانعقاد الإجماع دونهم.
على أنه يمكن فهم كلام ابن العربي على أنه قصد بنقل الاتفاق باستثناء أحمد اتفاقا خاصا وهو اتفاق أكثر العلماء، ولم يرد ادعاء الإجماع في ذلك، والانتقاد عليه من حيث أنه جعل أحمد المنفرد بخلاف الأكثرين، وقد سبق أحمد إلى القول بذلك، فيستغرب منه أن لا يطلع على ذلك ولا يقف على القائلين به، وقد نقل كلام ابن العربي بعض الشراح ولم يتعقبوا كلامه، فهما لكلامه على ما حملناه عليه، والله أعلم.
(1) .فتح الباري (2/ 387) .
(2) .انظر: التمهيد (8/ 72) والاستذكار (1/ 55) .