يتضح مما سقناه من كلامه أنه لم يحك الإجماع في ذلك، بل إنه صرح بأن عدم جواز الصلاة الواحدة بإمامين من غير عذر هو قول جمهور العلماء، والإجماع الذي ورد في كلامه المقصود منه اتفاق الجمهور على ذلك، ولا يعني اتفاق كل العلماء.
وإذا كان كلامه ليس فيه نقل اتفاق كل العلماء فإن بعض أهل العلم تعقبوا من نسب ذلك إليه، وممن رد القول بأنه ادعى الإجماع محمد بن عبد الباقي الزرقاني.
فإنه قال بعدما نقل أن الحافظ ابن حجر حكى عن ابن عبد البر دعوى الإجماع ثم تعقبه:"وهو تحامل؛ فإن ابن عبد البر لم يدع ذلك، ولم يطلق الإجماع، إنما قال: هذا موضع خصوص عند جمهور العلماء، لا أعلم بينهم خلافا أن المأمومين في صلاة واحدة من غير عذر حدث يقطع صلاة الإمام ويوجب استخلافه لا يجوز، وفي إجماعهم على هذا دليل على خصوص هذا الموضع لفضله، ولأنه لا نظير له في ذلك، ولأن الله أمر أن لا يتقدموا بين يدي الله ولا رسوله."
وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى والأمور كلها- إلى أن قال:- فأنت تراه قيد الخصوصة بقوله عند جمهور العلماء هو نقل لا دعوى، فقوله وفي إجماعهم يعني إجماع الجمهور لا مطلقا كما فهم المعترض، وممن سبقه إلى عد ذلك خصوصية يحيى بن عمر رادا به على قول ابن القاسم وقال الباجي: إنه الأظهر" [1] ."
ومن العلماء من فهم من كلام ابن عبد البر أنه ادعى الإجماع، لكنه رأى أنها دعوى صحيحة، ثم رد على من تعقب ابن عبد البر في ذلك، وهذا صنيع العيني، فإنه نقل كلام البعض (والظاهر أنه يعني الحافظ ابن حجر) في نقض دعوى ابن عبد البر الإجماع المذكور بأن الخلاف ثابت فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز ثم قال: هذا خرق للإجماع السابق قبل هؤلاء الشافعية وخرق الإجماع باطل [2] .
(1) . شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (1/ 469) .
(2) . انظر: عمدة القاري (8/ 347) .