وبيّن لنا هذه المسألة الرازي في تفسيره (التفسير الكبير) حيث يقول:"أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافرا." [1] اهـ.
فهم عمّموا لفظ الحكم، فالحكم إنما يراد به التشريع والفصل في النزاع والقضاء في الأموال والأنفس والاعراض، والذي يؤكد ذلك سبب النزول في قصة اليهود في قصة الزانيين أو قصة القتيل والدية، أما هم فقد عمّموا هذا معنى الحكم، فجعلوا كل من يفعل فعل أو يقول قول فقد حكم؛ فإن وافق الكتاب والسنة فقد حكم بما أنزل الله، وإن خالف الكتاب والسنة ووقع في الذنب أو الكبيرة فقد حكم بغير ما أنزل الله، ثم أدخلوا ذلك في عموم النص.
فانظروا للمقدمة الفاسدة والتي بالطبع يترتب عليها نتيجة فاسدة، فهم غفلوا هنا أن الحكم وصف مقيد أي الحكم في النزاعات بين الناس في الأموال والدماء والأعراض، كما أنهم غفلوا عن سبب النزول الذي يوضح مع المراد بالحكم في تلك الآية، والأمر الثاني أنهم غفلو كذلك عن تلك النصوص الآخر التي تبين أن مطلق المعصية ليس كفر، ونحن قررنا من قبل أنه من صفة المبتدعة أنهم ينظرون للأدلة نظرة عوراء صفراء، فلا يجمعون بين سائر النصوص في المسألة الواحدة، فجمع الخوارج هنا بين سوء فهم الآية وبين التبعيض في تلقي النصوص.
والذي يهمنا أن الخوارج كانوا يستدلون بهذه الآية على تكفير مرتكب الكبيرة والذنب، وهذا الذي دفع من قال"كفر دون كفر".
(1) التفسير الكبير للرازي 12\ 367.