فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 698

وتلك الجماعات التي تتبنى مداهنة ومهادنة الطواغيت والالتقاء معهم ليسوا في منتصف الطريق، فهم سلكوا طريقهم والتقوا في معسكر الكفر، وشاركوهم في أخص أفعالهم الكفريّة؛ في التشريع والتقرير والحكم بتلك القوانين الوضعية، فهم حتى لم يحفظوا لأنفسهم بهذا المنتصف الذي كانوا يدعونه، وإنما تنازلوا عن هذا المنتصف وأصبحوا ركنًا ركينًا لتلك الأنظمة الجاهليّة الوضعية، ونقول هذا تلبس وخداع للنفس، فضلًا عن ما فيهم من مخالفة واضحة لكتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

وأنّى لهؤلاء أن يشمّوا رائحة النصر فضلًا أن يكتب لهم النصر؛ ومدار تحقيق النصر على تحقيق المتابعة كما قال تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) [1] ، فهؤلاء لم ينصروا الله بل عصوه ووقعوا في أمور الله بها عليم، فنصروا الطاغوت وأيدوه وصاروا ركنًا ركينًا في أنظمته وعمودًا من أعمدته.

والأعجب من هذا أن الواقع نفسه يشهد لهذه القاعدة؛ فما من مرة التقى فيه"الإسلام"-الذي يسير هؤلاء في رّكْبِه، أو الذي يظن هؤلاء أنه هو الإسلام-، ما من مرة التقى الإسلام مع الطواغيت إلّا وكانت المحنة على رؤوس هؤلاء، حصل ذلك في مصر في أواخر الستينات؛ تنازلت الحركة الإسلامية والتي كانت في أوج شبابها، والتي كانت في قمة قوتها؛ تنازلت عن كثير من مبادئها إن لم يكن عن كل مبادئها، وسلمت للطاغية الذي لا يختلف اثنان في طغيانه وكفره، وأرادوا أن يعقدوا معه اتفاقية ثنائية، يلتقوا فيها هم وهو في منتصف الطريق، ولكن يأبى الله إلا أن يذل من عصاه على يد هؤلاء الذي أرادوه مخالفة شرع الله، فكانت الدائرة عليهم، فلم تمر عدة أيام وليالي إلا وساقهم كالقطيع الذي لا يعرف له أول ولا آخر.

(1) سورة محمد\7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت