وكما تعرض الوجه الأول للتحريف كذلك تعرض هذا المفهوم أيضًا للتحريف عند كثير من المسلمين، فنقول قررنا في البداية أن الغاية من خلق الجن والإنس هو العبودية، يقول تعالى: (وَمَاخَلَقْتُالْجِنَّوَالْإِنسَإِلَّالِيَعْبُدُونِ) [1] ؛ وتأمل هذه الآية وانظر لمبناها اللغو؛ الله -سبحانه وتعالى- حصر لنا الغاية من إيجاد الجن والإنس بغاية واحده هي العبودية، ودعم هذه الفكرة بأمرين يعتبران في لغة العرب من أقوى أساليب الحصر القصر وهما النفي والإستثناء؛ النفي في قوله (وَمَاخَلَقْتُ) ثم الإستثناء (إِلَّالِيَعْبُدُونِ) ، فالنفي والإستثناء يفيدان غاية الحصر والقصر، فالنفي ينفي أي غاية أخرى خلق من أجلها الجن والإنس، والإستثناء أو القصر يحصر الغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس في غاية واحدة، فهو نفي تام ثم حصر كامل.
وهذه العبودية لا تختص بنوع محدد من النشاط البشري بل تشمل جميع أنواع النشاط البشري، فتنتظم فيها جميع أنواع النشاط وحتى الموت يدخل في العبودية لله سبحانه وتعالى، وهذه النقطة قرّرناها وبيناها في الوجه الأول.
وهذه الغاية الوحيد في خلق الجن والإنس -أي العبادة- لا تختص بجيل محدود من النوع الإنساني، ولا تختص بمساحة زمنية من اليوم والليلة؛ بل تشمل وتنتظم فيها جميع فترات الحياة، بل تشمل حتى الممات، ونحن نقصد في هذه النقطة الثانية الإختصاص الزماني.
فلو تأملنا المفهوم القاصر لصفة أداء العبادة والذي يقصر هذه الصفة في الشعائر؛ لو تأملنا جميع أنواع الشعائر التي إفترضها الله تعالى على خلقه؛ تجد أن هذه الشعائر -مهما بلغت من فرائض ومستحبات وسنن- تختص بفترة زمنية محددة من اليوم والليلة، فلو قلنا أن العبادة لا تنتظم باقي الوقت، وقلنا أن العبادة تختص بتلك الشعائر فقط كما هو في أذهان كثير من الناس؛ فبماذا يقضي الإنسان باقي الوقت؟
هل يقضي في العبودية لغير الله تعالى؟
(1) سورة الذاريات\56.