وَقَدِ اعْتَرَضَ النُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى حَمْزَةَ فِي قِرَاءَتِهِ هَذِهِ ; لِأَنَّ مَا وَرَدَ قَلِيلًا عَنِ الْعَرَبِ لَا يَعُدُّونَهُ فَصِيحًا ، وَلَا يَجْعَلُونَهُ قَاعِدَةً بَلْ يُسَمُّونَهُ شَاذًّا ، وَهَذَا مِنَ اصْطِلَاحَاتِهِمْ ، وَمِثْلُ هَذِهِ اللُّغَاتِ الَّتِي لَمْ يُنْقَلْ مِنْهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ قَدْ تَكُونُ فَصِيحَةً وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ النُّحَاةَ مَفْتُنُونَ بِقَوَاعِدِهِمْ ، وَقَدْ نَبَّهَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي تَحْكِيمِهَا فِي كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا قَوَاعِدَهُمْ حُجَّةً عَلَى عَرَبِيٍّ مَا ، وَقَالَ هُنَا: إِنَّ الْأَرْحَامَ إِمَّا مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَإِمَّا مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي (بِهِ) وَهُوَ جَائِزٌ بِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ . وَقَالَ الرَّازِيُّ هُنَا: وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّحَاةِ أَنَّهُمْ يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَ هَذِهِ اللُّغَةِ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ . وَلَا يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَهَا بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ ، وَمُجَاهِدٍ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ .
هَذَا ، وَإِنَّ الْمُنْكِرِينَ عَلَى حَمْزَةَ جَاهِلُونَ بِالْقِرَاءَاتِ ، وَرِوَايَاتِهَا مُتَعَصِّبُونَ لِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ ، وَالْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ مِثْلَ هَذَا الْعَطْفِ مَقِيسًا ، وَرَجَّحَ مَذْهَبَهُمْ هَذَا بَعْضُ أَئِمَّةِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَأَطَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الِانْتِصَارِ لَهُ .