وبعدُ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خُصَّ بها المؤمن، ولا قوة إلا باللَّه.
ولا نقول بالإدراك؛ لقوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ؛ فقد امتدح بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) ، كان في ذلك إيجاب العلم، ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وباللَّه التوفيق.
وأيضًا إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، واللَّه يتعالى عن وصف الحدِّ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحدُّ وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدّا يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل اللَّه لكل شيء من ذلك وجهًا يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر اللَّه تعالى أنه ليس بذي حدود وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعًا، ولا قوة إلا باللَّه.
وبعدُ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها.
وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء .
ألا ترى أن الظل في التحقيق يُرَى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان مرئيًّا على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء ، وإن كان يرى لا بها؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر؛ لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين، ولا قوة إلا باللَّه.
والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر بما لم يجئ، واللَّه الموفق.