وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَالْإِشْكَالُ زَائِلٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي التَّأْوِيلِ أَنْ نَقُولَ: سَلَّمْنَا صِحَّةَ تِلْكَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعيد الحرث لِأَجْلِ أَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ إِنَّمَا سَلِمَ مِنَ الْآفَةِ وَالْمَرَضِ بِسَبَبِ دُعَاءِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُسَمَّى بالحرث، وَقَدْ يُسَمَّى الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ عَبْدًا لِلْمُنْعِمِ.
يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَنَا عَبْدُ مَنْ تَعَلَّمْتُ مِنْهُ حَرْفًا، وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْأَفَاضِلِ كَتَبَ عَلَى عُنْوَانٍ: كِتَابَةُ عَبْدِ وُدِّهِ فُلَانٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
وَإِنِّي لَعَبْدُ الضَّيْفِ مَا دَامَ ثَاوِيًا ... وَلَا شِيمَةَ لِي بَعْدَهَا تُشْبِهُ الْعَبْدَا
فَآدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهِمَا السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ عَبْدَ اللَّه مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ وَمَخْلُوقُهُ، إِلَّا أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ فَلَمَّا حَصَلَ الِاشْتِرَاكُ فِي لَفْظِ الْعَبْدِ لَا جَرَمَ صَارَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُعَاتَبًا فِي هَذَا الْعَمَلِ بِسَبَبِ الِاشْتِرَاكِ الْحَاصِلِ فِي مُجَرَّدِ لَفْظِ الْعَبْدِ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا نَقُولُهُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ.
(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ وَحَّدَ يَخْلُقُ ثُمَّ جَمَعَ فَقَالَ: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) وَأَيْضًا فَكَيْفَ ذَكَرَ الْوَاوَ وَالنُّونَ فِي جَمْعِ غَيْرِ النَّاسِ؟
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ لَفْظَ (مَا) تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ والجمع، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظَاهِرِ لَفْظِهَا.
وَمُحْتَمِلَةٌ لِلْجَمْعِ فاللَّه تَعَالَى اعْتَبَرَ الْجِهَتَيْنِ فَوَحَّدَ قَوْلَهُ: (يَخْلُقُ) رِعَايَةً لِحُكْمِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَجَمَعَ قَوْلَهُ: (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) رِعَايَةً لِجَانِبِ المعنى.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ فِي غَيْرِ مَنْ يَعْقِلُ كَيْفَ يَجُوزُ؟