الْجَوَابُ قَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ بَعْدَهُ أُمَمًا فَذَهَبَ التَّأْنِيثُ إِلَى الْأُمَمِ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ: اثْنَيْ عَشَرَ لِأَجْلِ أَنَّ السِّبْطَ مُذَكَّرٌ كَانَ جَائِزًا.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أَسْباطًا فَقَوْلُهُ: (أَسْباطًا) نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْفِرْقَةُ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: لَيْسَ قَوْلُهُ: (أَسْباطًا) تَمْيِيزًا، وَلَكِنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أُمَمًا) قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : هُوَ بَدَلٌ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ بِمَعْنَى: وَقَطَّعْنَاهُمْ أُمَمًا لِأَنَّ كُلَّ سِبْطٍ كَانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً وَجَمَاعَةً كَثِيفَةَ الْعَدَدِ، وَكُلَّ وَاحِدَةٍ كَانَتْ تَؤُمُّ خِلَافَ مَا تَؤُمُّهُ الْأُخْرَى وَلَا تَكَادُ تَأْتَلِفُ.
(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(161)
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ أَيْضًا مَذْكُورَةٌ مَعَ الشَّرْحِ وَالْبَيَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَلْفَاظَ هَذِهِ الْآيَةِ تُخَالِفُ أَلْفَاظَ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ من وجوه: الأول: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ) [البقرة: 58] وهاهنا قَالَ: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ)
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (فَكُلُوا) بالفاء وهاهنا (وَكُلُوا) بِالْوَاوِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (رَغَدًا) وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ فِي سُورَةِ البقرة: (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) وقال هاهنا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ قَالَ فِي البقرة (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ) وقال هاهنا: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ)
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ قَالَ فِي سورة البقرة: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) وهاهنا حَذَفَ حَرْفَ الْوَاوِ.