قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ خَصَّهُ مِنْ دُونِ النَّاسِ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ الرِّسَالَةُ مَعَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ مَا حَصَلَ لِغَيْرِهِ فَثَبَتَ أنه إنما حصل التخصيص هاهنا لِأَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ الْكَلَامَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ الْكَلَامُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ سَبَبًا لِمَزِيدِ الشَّرَفِ بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ كَلَامَ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ مِنْ فَلْقِ فِيهِ كَانَ أَعْلَى حَالًا وَأَشْرَفَ مَرْتَبَةً مِمَّنْ سَمِعَهُ بِوَاسِطَةِ الْحُجَّابِ وَالنُّوَّابِ.
(وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ(145)
وَفِي قَوْلِهِ: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) سُؤَالٌ:
وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا تُعُبِّدَ بِكُلِّ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَجَبَ كَوْنُ الْكُلِّ مَأْمُورًا بِهِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) يَقْتَضِي أن فيه ما لبس بِأَحْسَنَ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمُ الْأَخْذُ بِهِ وَذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ؟
وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ تِلْكَ التَّكَالِيفَ مِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَحْسَنُ كَالْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ وَالِانْتِصَارِ وَالصَّبْرِ، أَيْ فَمُرْهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا هُوَ أَدْخَلُ فِي الْحُسْنِ وَأَكْثَرُ لِلثَّوَابِ كَقَوْلِهِ: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) [الزُّمَرِ: 55] وَقَوْلِهِ: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزُّمَرِ: 18] .
فَإِنْ قَالُوا: فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَخْذِ بِالْأَحْسَنِ فَقَدْ مَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ بِذَلِكَ الْحَسَنِ وَذَلِكَ يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ حَسَنًا؟
فَنَقُولُ يُحْمَلُ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَخْذِ بِالْأَحْسَنِ عَلَى النَّدْبِ حَتَّى يَزُولَ هَذَا التَّنَاقُضُ.