وَثَالِثُهَا: إِنَّ الزَّجْرَ وَالتَّحْذِيرَ لَا يَقَعُ لِلْمُكَلَّفِينَ إِلَّا بِإِهْلَاكِهِمْ.
وَرَابِعُهَا: إِنَّ مَعْنَى الْبَيَاتِ وَالْقَائِلَةِ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِيهِمْ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَلِمَاذَا قَالَ أَهْلَكْنَاهَا؟
أَجَابُوا بِأَنَّهُ تَعَالَى رَدَّ الْكَلَامَ عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى كَقوله تَعَالَى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ) [الطَّلَاقِ: 8] فَرَدَّهُ عَلَى اللَّفْظِ ثُمَّ قَالَ: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ) [الطلاق: 10] فَرَدَّهُ عَلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَلِهَذَا السَّبَبِ
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَلَوْ قَالَ فَجَاءَهُمْ بَأْسُنَا لَكَانَ صَوَابًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا مَحْذُوفَ فِي الْآيَةِ وَالْمُرَادُ إِهْلَاكُ نَفْسِ الْقَرْيَةِ لِأَنَّ فِي إِهْلَاكِهَا بِهَدْمٍ أَوْ خَسْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إِهْلَاكَ مَنْ فِيهَا، وَلِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: (فَجاءَها بَأْسُنا مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا حَاجَةَ فِيهِ إِلَى التَّأْوِيلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِهْلَاكُ مُتَقَدِّمًا عَلَى مجيء البأس
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِهْلَاكِ؟
وَالْعُلَمَاءُ أَجَابُوا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (أَهْلَكْناها) أَيْ حَكَمْنَا بِهَلَاكِهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا.
وَثَانِيهَا: كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا كَقوله تَعَالَى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [الْمَائِدَةِ: 6] .
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهُمْ إِهْلَاكُنَا لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ وَارِدًا، فكذا هاهنا لِأَنَّهُ تَعَالَى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْإِهْلَاكِ بِلَفْظِ الْبَأْسِ.
فَإِنْ قَالُوا: السُّؤَالُ بَاقٍ لِأَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: (فَجاءَها بَأْسُنا) فَاءُ التَّعْقِيبِ وَهُوَ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ؟
فَنَقُولُ: الْفَاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: