«لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ»
فَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ (فَيَغْسِلُ) لِلتَّفْسِيرِ لِأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ كَالتَّفْسِيرِ لِوَضْعِ الطهور مواضعة فكذلك هاهنا الْبَأْسُ جَارٍ مَجْرَى التَّفْسِيرِ لِذَلِكَ الْإِهْلَاكِ، لِأَنَّ الْإِهْلَاكَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَوْتِ الْمُعْتَادِ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَسْلِيطِ الْبَأْسِ وَالْبَلَاءِ عَلَيْهِمْ فَكَانَ ذِكْرُ الْبَأْسِ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الْإِهْلَاكِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ الْبَأْسُ وَالْهَلَاكُ يَقَعَانِ مَعًا كَمَا يُقَالُ: أَعْطَيْتَنِي فَأَحْسَنْتَ وَمَا كَانَ الْإِحْسَانُ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ وَلَا قَبْلَهُ وَإِنَّمَا وَقَعَا مَعًا فكذا هاهنا.
(فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6)
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمَقْصُودُ مِنَ السُّؤَالِ أَنْ يُخْبِرَ الْمَسْئُول عَنْ كَيْفِيَّةِ أَعْمَالِهِ فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ هَذَا السُّؤَالِ بَعْدَهُ؟
وَأَيْضًا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ) فَإِذَا كَانَ يَقُصُّهُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ فَمَا مَعْنَى هَذَا السُّؤَالِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُمْ لَمَّا أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ مُقَصِّرِينَ سُئِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الظُّلْمِ وَالتَّقْصِيرِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الْفَائِدَةُ فِي سُؤَالِ الرُّسُلِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ تَقْصِيرٌ أَلْبَتَّةَ؟
قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ إِذَا أَثْبَتُوا أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُمْ تَقْصِيرٌ ألبتة التحق التقصير بكليته بِالْأُمَّةِ فَيَتَضَاعَفُ إِكْرَامُ اللَّهِ فِي حَقِّ الرُّسُلِ لِظُهُورِ بَرَاءَتِهِمْ عَنْ جَمِيعِ مُوجِبَاتِ التَّقْصِيرِ وَيَتَضَاعَفُ أَسْبَابُ الْخِزْيِ وَالْإِهَانَةِ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ التَّقْصِيرِ كَانَ مِنْهُمْ.