قلنا: إنما خصها بالذكر إظهارا لمزيتها لكونها عماد الدين بالحديث، وناهية عن الفحشاء والمنكر بالآية.
[348] فإن قيل: قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) [الأعراف: 176] تمثيل لحال بلعام، فكيف قال بعده: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) [الأعراف: 177] والمثل لم يضرب إلا لواحد؟
قلنا: المثل في الصورة وإن ضرب لبلعام ولكن أريد به كفار مكة كلهم؛ لأنهم صنعوا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم وسلّم بسبب ميلهم إلى الدنيا وشهواتها من الكيد والمكر ما يشبه فعل بلعام مع موسى عليه السلام.
الثاني: أن ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ راجع إلى قوله تعالى: (مَثَلًا الْقَوْمُ) [الأعراف: 177] لا إلى أول الآية.
[349] فإن قيل: كيف قال: (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188] وهو صلّى الله عليه وسلّم كان بشيرا ونذيرا للناس كافة، كما قال تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) [سبأ: 28] ؟
قلنا: المراد بقوله: (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188] لقوم كتب عليهم في الأزل أنهم يؤمنون، وإنما خصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالإنذار والبشارة دون غيرهم؛ فكأنه نذير وبشير لهم خاصة، كما قال تعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) [النازعات: 45] .
ويجوز أن يكون متعلق النذير محذوفا تقديره: إن أنا إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون؛ فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر، كما استغنى بالجملة عن التفصيل في تلك الآية؛ لأن المعنى: وما أرسلناك إلا كافة للنّاس بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين.
[350] فإن قيل: كيف قال الله تعالى حكاية عن آدم عليه السلام، وحواء، رضي الله عنها: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما، وقال عزّ وجل: (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الأعراف: 190] والأنبياء معصومون عن مطلق الكبائر فضلا عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر؟