فلما أباح اللّه لهم ذلك نهاهم عما من شأنه أن يكون منهم فقال:"وَلا تُسْرِفُوا"فيما أحله اللّه لكم من طيبات الأطعمة والأشربة بأن تتجاوزوا حدّ الشبع وتفرطوا في تعدد أوقاته وأنواعه ، فإن الأكل في اليوم مرتين من الإسراف المذموم المنهي عنه شرعا ، ومن الإسراف بل والشره أن يأكل كلما يشتهي ، اخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب قال إياكم والبطنة من الطعام والشراب فأنهما مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وابعد من السرف وان اللّه يبغض الحبر السمين (لأنه لو كان يتعظ فيما علم لأضعفه الخوف من اللّه) ولهذا قالوا ان القاضي إذا سمن بعد توليه القضاء فهو دليل على عدم اهتمامه بأمور الناس ، وان الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه ومن وصايا أطباء اليابان لا تأكل اللحم إلا مرة في اليوم ولا تشرب مسكرا ولا تدخن واكتف بقليل من القهوة والشاي واستحم يوميا بالماء الساخن وارتد الصوف الخفيف صيفا وشتاء ونم باكرا وأفق باكرا لتنعش بالهواء الطلق ودع غرفتك مفتوحة ليلا واجتنب المؤثرات العقلية واحرص على الراحة يوما في الأسبوع وتزوج البكر وخالط العلماء.
وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال قال صلّى اللّه عليه وسلم ان من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت.
واخرج البيهقي عن عائشة قالت رآني صلّى اللّه عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين ، فقال يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك ، الأكل في اليوم مرتين من الإسراف.
وعليه فيكون الأكل الشرعي مرة في الصباح ومرة في المساء ، قال تعالى: من حق أهل الجنة (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) الآية 62 من سورة مريم الآتية فإذا أكل نهارا مرتين وأكل مساء أخرى كان مسرفا ، ولا شك ان الاكل يختلف
باختلاف الأشخاص والأمكنة.