{قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (150) [الأنعام: 150] يستدل به على أن العالم بشهود الزور يحرم عليه موافقتهم حاكما كان أو شاهدا أو مشهودا له أو عليه، أو غيرهم، خلافا للمسألة المشهورة عن أبي حنيفة: في أن شاهدي زور لو شهدا أن فلانا مات، جاز لآخر أن يتزوج امرأته مع علمه بكذبهما، وحل له وطؤها؛ لأن عنده الحاكم منشئ للأحكام لا مثبت لها على وفق الواقع.
لَغافِلِينَ (156) / [84 أ/م] ) [الأنعام: 156] هذا خطاب للعرب، ومعناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا ما جاءنا من كتاب نتبعه، وإنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، ونحن غير عارفين بما عندهم، وهذا من باب تقرير الحجة عليهم نحو: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً} (165) [النساء: 165] ، وفيه أن المجوس لم يأتهم كتاب لأنه - عز وجل - أخبر أن العرب لو احتجوا بأن الكتاب لم ينزل إلا على اليهود والنصارى لكانوا صادقين، وحجتهم قائمة وعذرهم واضح، وبالجملة فهذا تقرير من الله - عز وجل - لهم على/ [179/ل] حصر الكتاب في الطائفتين، على تقدير أنهم يحصرونه فيهما، والله - عز وجل - لا يقر إلا على حق، وهذه مسألة خلاف هل كان للمجوس كتاب ورفع، أو لم يكن لهم كتاب أصلا؟ وهو ظاهر هذه الآية؟ أما المجوس فزعموا أن نبيهم زرادشت جاءهم بكتاب فيه تفصيل ما كان وما يكون، وأنه جلد اثنتي عشرة ألف جلدة على ما حكاه ابن أبي الإصبغ في تاريخ الأطباء، والظاهر أن هذا اختلاق منهم أو عليهم، إذ مثل هذا لا يكتم، فلو كان حقا لتواتر، والمشهور أن زرادشت [هذا] ليس بمحترم حرمة النبيين ولا الصديقين، ولا الشهداء ولا الصالحين، ولا له في أحكام الرقيق نصيب، ولا هو من المختلف في نبوتهم، بل مقطوع بعدم نبوته، وهو من طبقة ماني ومزدك لا شيء في سبه ولعنه.