الوجه الثاني: [أن معنى الآية: لولا نزل عليه آية تضطرنا] إلى الإيمان به مثل أن نرى الملائكة، أو نرى ربنا ونحوه. فأجاب الله - عز وجل - بأنه قادر على أن ينزل ذلك لكنه يفوت حكمة التكليف؛ إذ المراد منهم الإيمان الاختياري، لا الاضطراري إذ هو غير مراد، ولا نافع، وإلا لنفع فرعون حين أدركه الغرق، وعاين الحق، ولنفع أهل النار، فإنهم يؤمنون حينئذ، لكن إيمانا اضطراريا لا ينفعهم.
وقد نقل عن الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - قال: لا يدخل النار إلا مؤمن، فقيل له:
كيف ذلك؟ فتلا: {فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ} (84) [غافر: 84] ولعل الإشارة إلى هذا وقعت بقوله - عز وجل: {فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (131) [الأعراف: 131] أي: لا يعلمون وجه الحكمة في ترك اضطرارهم إلى الإيمان، وفي الجواب وجه آخر أشير إليه في قوله - عز وجل: {وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاّ تَخْوِيفاً} (59) [الإسراء: 59] وهو يشير إلى أن الآيات فترت عن كفار العرب فطلبوها، فقيل لهم: إنما أمسكناها عنكم إبقاء عليكم، لئلا تكذبوا بها، فتهلكوا كما هلك من قبلكم.
احتج بها التناسخية؛ وهم القائلون بتناسخ أرواح الحيوان بعضها في أجساد بعض بعد موته، ووجه استدلالهم بها أنها تضمنت أن الدواب والطير أمم أمثال الناس، وإنما يكونون أمثال الناس بتقدير أنهم كانوا على مثل حالهم، ثم انتقلوا إلى صور الدواب والطير/ [161/ل] ، وذلك معنى التناسخ.
وجوابه: أن التناسخ على رأي أهله قد تقرر في الكلام والحكمة أنه محال، وأما هذه الآية فليست نصا فيه ولا ظاهرا، فلا وجه للاستدلال بها عليه، ولكن الأشياء نسبة فدليلهم كمدلولهم في الضعف والبعد عن العقل، والآية تحتمل وجوها.