{وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ} (35) [الأنعام:
35]يحتج به على القدرية من وجهين، أحدهما: أن المانع لهؤلاء من الهدى مشيئته، ومشيئته واجبة فامتناع هداهم واجب، وهو معنى الجبر.
الثاني: أن جمعهم على الهدى أصلح لهم، وعند الخصم يجب عليه رعاية الأصلح، فما باله لم يفعله.
والخصم يجيب عن الأول بمنع وجوب مشيئته - عز وجل - بل هي عنده حادثة لا في محل، وهو من محالاتهم التي يأباها العقل، وزعم أن معنى الآية، أنه لو شاء لجبرهم على الهدى جبرا وقسرا، لا أن مشيئته مانعة لهم عن الهدى.
{إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (36) [الأنعام: 36] أي وهؤلاء كالموتى لا يسمعون، ينتج أن هؤلاء لا يستجيبون يعني لداعي الهدى والحق، وهذا يشير إلى قوله - عز وجل: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (23) [الأنفال: 23] أي: هؤلاء لم يسمعهم الله وكل من لم يسمعه الله - عز وجل - لا يستجيبون.
ومعنى كونه لم يسمعهم، أنه لم يخلق فيهم داعيا لقبول الحق، بل خلق فيهم الصوارف عنه فصاروا كالموتى لا يسمعون.
قد أخبروا أنه لم يأت بآية، ووافقهم هو على ذلك، ولم ينازعهم فيه، بل أحالهم في الآية على مجرد قدرة الله - عز وجل على إنزالها ومجرد القدرة على إنزالها، لا يقتضي إنزالها، فبقي على أصل العدم وبقي الحال على ما زعمه القوم من أنه لم يأت/ [75/م] بآية.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا إنما كان بعد أن ظهرت آياته، وبهرت، لكن هؤلاء الكفار تلقوها بالعناد المحض، وزعموا أنها سحر مستمر كما عاند فرعون آيات موسى، وعاند اليهود آيات المسيح، فكان قول الكفار: {لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} بناء منهم على أن ما جاءهم به من الآيات ليس بشيء، بناء على عنادهم، وسوء اعتقادهم.