بلا وقت مؤقت ولا أجل مضروب سوى الآية الآتية - التي ابتدأنا الفصل بها، ثم قال في هذا الموضع: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)
علمنا أنها لا محالة خاصة نازلة في قوم بأعيانهم، كما قال في فرعون: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) ، إذ لا سبيل إلى تحديد حد في القريب الذي ذكر فيه قبول التوبة حيث يقول (يتوبون من قريب) لأن أمل الحياة قائم في الإنسان ما بقي فيه نفس واحد، وإذا كان لنا أن ننظر في هذا القرآن ونتكلم في وجوهه فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنزل عليه أحق أن يتكلم فيه بما أراه الله، مع ما أيده به من الوحي وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى، وقد صح عنه أنه قال:"إن الله ليقبل توبة عبده ما لم يقع الحجاب". قيل: وما وقوع الحجاب، قال:"أن تموت النفس وهي مشركة"و"إن الله يقبل توبة العبد ما لم"
يغرغر""
فيقول: كل تائب مقبول توبته في أي وقت أحدثها من عمره، عليلا كان أو صحيحا، عند الموت أو قبله، إلا من أدركه طلوع الشمس من مغربها، وهو غير تائب، فإن توبته حينئذ لا تقبل منه إذا تاب، وتكون الآية مصروفة إلى قوم بأعيانهم لا تدخل معهم غيرهم، وكذا قال أبو العالية إن الآية لأهل النفاق، وأحسبه أراد منهم من كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويكون حجبها عن أولئك من العدل الذي لا نعقله كما لا نعقل عدله في القضاء والقدر وما ذكرنا معه فيما مضى من كلامنا في
فصول الآيات وبسطها لغيرهم من الفضل عليهم، فهذا وجه الآية التي هي دعامة مقالتهم في باب التوبة.
ثم نرجع إلى فصل الاحتجاج عليهم بإتيان الآية التي لا ينفع بعدها الإيمان واكتساب الخير.