وإن قالوا: الآية هي حضور القيامة، قالوا محالاً إذ الإيمان في القيامة لا وصول إليه ولا إلى اكتساب الخير، ألا ترى أنهم لما تمنوا أن يكونوا مؤمنة تمنوا معه الرد إلى الدنيا، ليؤمنوا بما كفروا ويصدقوا بما كذبوا فيها: (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27 ) ) ،
وقد أخبر الله عن إيمان من يؤمن في الدنيا ويكتسب الخير فلا ينفعه هذا ولا هذا بعد إتيان الآية، وكذا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) ."
ولنا عليهم في قبول التوبة عند الموت حجة أخرى واضحة وهي إجماع الناس كافة على أن من أسلم من الكفار عند الموت حرم ميراثه كفار ولده وورثه مسلمون ورثته وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، والتوبة من الكفر أجل توبة، والكفر أعظم خطرا من الذنب، فمحال أن يقبل من أحدهما دون الآخر.
فإن شبه على أحد بأن التوبة لا تقع إلا من الذنوب، وأن تارك الكفر لا يسمى تائبا كذبه القرآن. قال الله تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74 ) )
فسمى تركهم لذلك القول واستغفارهم منه توبة.