ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا اسْتَثْنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَثْنَى مِنْ جَمِيعِ مَا سَمَّى اللَّهُ تَحْرِيمَهُ , مِنْ قَوْلِهِ {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}
يَقُولُ: «مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ مِنْ هَذَا كُلِّهُ , يَتَحَرَّكُ لَهُ ذَنَبٌ أَوْ تَطْرِفُ لَهُ عَيْنٌ , فَاذْبَحْ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ»
عَنْ قَتَادَةَ: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} قَالَ: «فَكُلُّ هَذَا الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَهُنَا مَا خَلَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ إِذَا أَدْرَكْتَ مِنْهُ عَيْنًا تَطْرِفُ أَوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ أَوْ قَائِمَةً تَرْكُضُ , فَذَكَّيْتَهُ , فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ»
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: «إِذَا رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ حَرَّكَتْ ذَنَبَهَا , فَقَدْ أَجْزَأَ»
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: حُرِّمَتِ الْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ إِنْ مَاتَتْ مِنَ التَّرَدِّي وَالْوَقْذِ وَالنَّطْحِ وَفَرْسِ السَّبُعِ , إِلَّا أَنْ تُدْرِكُوا ذَكَاتَهَا , فَتُدْرِكُوهَا قَبْلَ مَوْتِهَا , فَتَكُونَ حِينَئِذٍ حَلَالًا أَكْلُهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ التَّحْرِيمِ , وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَا ذَكَاةَ لَهَا وَلَا لِلْخِنْزِيرِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ , وَسَائِرُ مَا سَمَّيْنَا مَعَ ذَلِكَ , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكُمْ بِالتَّذْكِيَةِ , فَإِنَّهُ لَكُمْ حَلَالٌ. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.