وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ , وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُسْتَحِقٌّ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْلَ حَالِ مَوْتِهِ , فَيُقَالَ: لِمَا قَرَّبَ الْمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ فَسَمَّوْهُ لَهُمْ: هُوَ {مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} بِمَعْنَى: سُمِّيَ قُرْبَانًا لِغَيْرِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ الْمُنْخَنِقَةُ: إِذَا انْخَنَقَتْ , وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَهِيَ مُنْخَنِقَةٌ ,
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ فَإِنَّهُ يُوصَفْ بِالصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ , فَحَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ الْمُحَلِّلَةِ دُونَ الْمَوْتِ بِالسَّبَبِ الَّذِي كَانَ بِهِ مَوْصُوفًا. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ , وَالْمُنْخَنِقَةُ , وَكَذَا وَكَذَا وَكَذَا , إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَمَا إِذْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا قَبْلَهَا , وَقَدْ يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ.
وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَكُلُّ مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتَهُ مِنْ طَائِرٍ أَوْ بَهِيمَةٍ قَبْلَ خُرُوجِ نَفْسِهِ وَمُفَارَقَةِ رُوحِهِ جَسَدَهُ , فَحَلَالٌ أَكْلُهُ إِذَا كَانَ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ.