وإتمام هذه النعمة هو زوال ما كانوا يلقونه من الخوف فمكّنهم من الحج آمين ، مؤمنين ، خالصين ، وطوّع إليهم أعداءهم يوم حجّة الوداع ، وقد كانوا من قبل في نعمة فأتمّها عليهم ، فلذلك قيّد إتمام النعمة بذلك اليوم ، لأنّه زمان ظهور هذا الإتمام: إذ الآية نازلة يوم حجّة الوداع على أصحّ الأقوال ، فإن كانت نزلت يوم فتح مكة ، وإن كان القول بذلك ضعيفاً ، فتمام النعمة فيه على المسلمين: أنْ مكّنهم من أشدّ أعدائهم ، وأحرصهم على استئصالهم ، لكن يناكده قوله: {أكملت لكم دينكم} إلاّ على تأويلات بعيدة.
وظاهر العطف يقتضي: أنّ تمام النعمة منَّة أخرى غير إكمال الدين ، وهي نعمة النصر ، والأخوّة ، وما نالوه من المغانم ، ومن جملتها إكمال الدين ، فهو عطف عامّ على خاصّ.
وجوّزوا أن يكون المراد من النعمة الدّين ، وإتمامها هو إكمال الدين ، فيكون مفاد الجملتين واحداً ، ويكون العطف لمجرّد المغايرة في صفات الذات ، ليفيد أنّ الدين نعمة وأنّ إكماله إتمام للنعمة ؛ فهذا العطف كالذي في قول الشاعر أنشده الفرّاء في"معاني القرآن":
إلى الملك القرم وابننِ الهما...
م وليثثِ الكتيبة في المُزْدَحَمْ
وقوله: {ورضيت لكم الإسلام ديناً} الرضى بالشيء الرّكون إليه وعدم النفرة منه ، ويقابله السخط: فقد يرضى أحد شيئاً لنفسه فيقول: رضيتُ بكذا ، وقد يرضى شيئاً لغيره ، فهو بمعنى اختياره له ، واعتقاده مناسبته له ، فيعدّى باللام: للدلالة على أنّ رضاه لأجل غيره ، كما تقول: اعتذرت له.
وفي الحديث"إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً"، وكذلك هنا ، فلذلك ذكر قوله: {لكم} وعُدّي {رَضيت} إلى الإسلام بدون الباء.
وظاهر تناسق المعطوفات: أنّ جملة {رضيت} معطوفة على الجملتين اللتين قبلها ، وأنّ تعلّق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين ، فيكون المعنى: ورضيت لكم الإسلام ديناً اليومَ.