وقوله: {مِنْ قَبْلِكُمْ} متعلق بـ {سَأَلَهَا} ، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف على أن تجعله صفة لـ {قَوْمٌ} ؛ لأنه ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون صفة للجثة، كما لا يكون حالًا منها ولا خبرًا عنها.
وقوله: {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا} أي: بمرجوعها أو بسببها كافرين.
{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) } :
قوله عز وجل: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} (من) مزيدة للتأكيد، وفي {جَعَلَ} هنا وجهان:
أحدهما: بمعنى سَمَّى، فيتعدى إلى مفعولين: أحدهما {بَحِيرَةٍ} ، والآخر محذوف، أي: ما سَمَّى الله حيوانًا بحيرة.
والثاني: بمعنى صنع ووضع، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة، أي: ما صنع ولا وضع بحيرة، وما بعدها إلى قوله: {وَلَا حَامٍ} عطف عليها.
ويجوز في الكلام نصب المعطوفات حملًا على محل {بَحِيرَةٍ} .
والبحيرة: فيما ذكر أهل اللغة: الناقة كانت الجاهليةُ إذا نتجت خمسةَ
أبطنٍ آخرُها ذَكَرٌ بحروا أذنها، أي: شقوها، ولم يذبحوها، وحَرَّموا ركوبها، ولم تُطْرَدْ عن ماء، ولم تُمنع من مرعى، وإذا لقيها مُعْيٍ لم يركبْها، واسمها البحيرة، وهي فعيلة بمعنى مَفعولة.
والسائبة: كان يقول الرجل: إذا قَدِمْتُ من سفري، أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وهي فاعلة بمعنى مفعولة؛ لأنها مسيَّبةٌ.
وقيل: هي فاعلة على بابها، من ساب يَسيب إذا جَرَى، وهو مطاوع سيبته فساب.
وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا قال: هو سائبةٌ، فلا عقل بينهما ولا ميراث.
والوصيلة من الغنم، إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وهي فعيلة بمعنى الفاعلة لكونها الواصلة.
والحامي: الفحل من الإِبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يُركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
أي: ما شرع الله ذلك ولا أمر به، ولكنهم بتحريمهم ما حرموا يفترون على الله الكذب.