قال القاضي أبو محمد: فهذه مثال في حال عدم المأكول حتى يؤدي ذلك إلى ذهاب القوى والحياة وقرأ ابن محيصن"فمن اطر"بإدغام الضاد والطاء وليس بالقياس ولكن العرب استعملته في ألفاظ قليلة استعمالاً كثيراً وقد تقدم القول في أحكام الاضطرار في نظير هذه الآية في سورة البقرة و"المخمصة"المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر والخمص ضمور البطن فالخلقة منه حسنة في النساء ومنه يقال خمصانة وبطن خميص ومنه أخمص القدم، ويستعمل ذلك كثيراً في الجوع والغرث، ومنه قول الأعشى:
تَبيتون في المَشْتى مِلاءً بطونُكم ... وجارتُكم غَرْثَى يَبِتْنَ خمائصا
أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن، وقوله تعالى: {غير متجانف لإثم} وهو بمعنى {غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173] وقد تقدم تفسيره وفقهه في سورة البقرة والجنف الميل، وقرأ أبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي"غير متجنف"، دون ألف وهي أبلغ في المعنى من {متجانف} ، لأن شد العين يقتضي مبالغة وتوغلاً في المعنى وثبوتاً لحكمه، وتفاعل إنما هي محاكاة الشيء والتقرب منه. ألا ترى إذا قلت تمايل الغصن فإن ذلك يقتضي تأوداً، ومقاربة ميل، وإذا قلت تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون وتصون وتغافل وتغفل وقوله تعالى: {فإن الله غفور رحيم} نائب مناب فلا حرج عليه إلى ما يتضمن من زيادة الوعد وترجية النفوس وفي الكلام محذوف يدل عليه المذكور تقديره فأكل من هذه المحرمات المذكورات. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 2 صـ}