قال أبو عمر: قول الشافعي أظهر في أهل العلم ، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشي: لحديث رافع بن خَدِيج ؛ وهو قول ابن عباس وابن مسعود ؛ ومن جهة القياس لمّا كان الوحشيّ إذا قُدِر عليه لم يَحِل إلاّ بما يحل به الإنسي ؛ لأنه صار مقدورا عليه ؛ فكذلك ينبغي في القياس إذا توحّش أو صار في معنى الوحشي من الامتناع أن يَحِلّ بما يحلّ به الوحشي.
قلت: أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خَدِيج بأن قالوا: تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو على حبسه لا على ذكاته ، وهو مقتضى الحديث وظاهره لقوله:"فَحبسه"ولم يقل إن السّهم قتله ؛ وأيضاً فإنه مقدور عليه في غالب الأحوال فلا يراعى النّادر منه ، وإنما يكون ذلك في الصيّد.
وقد صرّح الحديث بأن السّهم حبسه وبعد أن صار محبوساً صار مقدوراً عليه ؛ فلا يؤكل إلا بالذّبح والنّحر.
والله أعلم.
وأما حديث أبي العُشَراء فقد قال فيه الترمذي:"حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمّاد بن سَلمَة ، ولا نعرف لأبي العُشَرَاء عن أبيه غير هذا الحديث."
واختلفوا في اسم أبي العشراء ؛ فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قِهطم ، ويقال: اسمه يَسار بن برز ويُقال: بلز ويقال اسمه عُطَارد نسب إلى جدّه"."
فهذا سند مجهول لا حجّة فيه ؛ ولو سُلّمت صحته كما قال يزيد بن هارون لما كان فيه حُجّة ؛ إذ مقتضاه جواز الذّكاة في أي عضو كان مطلقاً في المقدور وغيره ، ولا قائل به في المقدور فظاهره ليس بمراد قطعاً وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه.
فلا يكون فيه حُجّة ، والله أعلم.
قال أبو عمر: وحُجة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم يِندّ الإنسي أنه لا يُذكّى إلا بما يُذكّى به المقدور عليه ، ثم اختلفوا فهو على أصله حتى يتفقوا.
وهذا لا حُجّة فيه ؛ لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه ، وهذا غير مقدور عليه.