وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا خَارِجٌ مِنْ السَّخَاءِ الْمَحْمُودِ إلَى السَّرَفِ وَالتَّبْذِيرِ الْمَذْمُومِ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ سَبَبٍ كَانَ الْمَنْعُ لِغَيْرِ سَبَبٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَقِلُّ عَنْ الْحُقُوقِ وَيُقَصِّرُ عَنْ الْوَاجِبَاتِ فَإِذَا أَعْطَى غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فَقَدْ يَمْنَعُ مُسْتَحِقًّا وَمَا يَنَالُهُ مِنْ الذَّمِّ بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ أَكْثَرُ مِمَّا يَنَالُهُ مِنْ الْحَمْدِ لِإِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ. وَحَسْبُك ذَمًّا بِمَنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَصْدُرُ عَنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، وَتُوجَدُ لِغَيْرِ عِلَّةٍ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
فَنَهَى عَنْ بَسْطِهَا سَرَفًا، كَمَا نَهَى عَنْ قَبْضِهَا بُخْلًا، فَدَلَّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ ذَمًّا وَعَلَى اتِّفَاقِهِمَا لَوْمًا.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَكَانَ الْمَالُ يَأْتِينَا فَكُنَّا ... نُبَذِّرُهُ وَلَيْسَ لَنَا عُقُولُ
فَلَمَّا أَنْ تَوَلَّى الْمَالُ عَنَّا ... عَقَلْنَا حِينَ لَيْسَ لَنَا فُضُولُ
قَالُوا: وَلِأَنَّ الْعَطَاءَ وَالْمَنْعَ إذَا كَانَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَفْضَيَا إلَى ذَمِّ الْمَمْنُوعِ وَقِلَّةِ شُكْرِ الْمُعْطِي. أَمَّا الْمَمْنُوعُ فَلِأَنَّهُ قَدْ فَضَّلَ عَلَيْهِ مَنْ سِوَاهُ، وَأَمَّا الْمُعْطِي فَإِنَّهُ وَجَدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا وَرُبَّمَا أَمَلَ بِالِاتِّفَاقِ أَضْعَافًا، فَصَارَ ذَلِكَ مُفْضِيًا
إلَى اجْتِلَابِ الذَّمِّ وَإِحْبَاطِ الشُّكْرِ. وَلَيْسَ فِيمَا أَفْضَى إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَيْرٌ يُرْجَى وَهُوَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ شَرًّا يُتَّقَى. وَلِمِثْلِ هَذَا كَانَ مَنْعُ الْجَمِيعِ إرْضَاءً لِلْجَمِيعِ وَعَطَاءً يَكُونُ الْمَنْعُ أَرْضَى مِنْهُ خُسْرَانُ مُبِينٌ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْلُ وَالْعَطَاءُ عَنْ سُؤَالٍ فَشُرُوطُهُ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي السَّائِلِ، وَالثَّانِي فِي الْمَسْئُولِ.