وَالسَّبَبُ الثَّامِنُ: الْمَحَبَّةُ يُؤْثِرُ بِهَا الْمَحْبُوبُ عَلَى مَالِهِ فَلَا يَضَنُّ عَلَيْهِ بِمَرْغُوبٍ، وَلَا يَتَنَفَّسُ عَلَيْهِ بِمَطْلُوبٍ، لِلِّذَّةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ أَحْظَى، وَإِلَى نَفْسِهِ أَشْهَى؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إلَى مَحْبُوبِهَا أَشْوَقُ وَإِلَى مَا يَلِيهِ أَسْبَقُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَمَا زُرْتُكُمْ عَمْدًا وَلَكِنَّ ذَا الْهَوَى إلَى ... حَيْثُ يَهْوَى الْقَلْبُ تَهْوِي بِهِ الرِّجْلُ
وَهَذَا وَإِنْ دَخَلَ فِي أَقْسَامِ الْعَطَاءِ فَخَارِجٌ عَنْ حَدِّ السَّخَاءِ، وَهَكَذَا الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ أَقْسَامِ الْعَطَاءِ.
وَالسَّبَبُ التَّاسِعُ: وَلَيْسَ بِسَبَبٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَا سَبَبٍ وَإِنَّمَا هِيَ سَجِيَّةٌ قَدْ فُطِرَ عَلَيْهَا، وَشِيمَةٌ قَدْ طُبِعَ بِهَا، فَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وَمَحْرُومٍ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، كَمَا قَالَ بَشَّارٌ:
لَيْسَ يُعْطِيك لِلرَّجَاءِ وَلَا ... لِلْخَوْفِ لَكِنْ يَلَذُّ طَعْمَ الْعَطَاءِ
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِثْلِ هَذَا هَلْ يَكُونُ مَنْسُوبًا إلَى السَّخَاءِ
فَيُحْمَدُ، أَوْ خَارِجًا عَنْهُ فَيُذَمُّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا هُوَ السَّخِيُّ طَبْعًا وَالْجَوَادُ كَرَمًا وَهُوَ أَحَقُّ مَنْ كَانَ بِهِ مَمْدُوحًا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبًا، وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ:
مِنْ غَيْرِ مَا سَبَبٍ يُدْنِي كَفَى سَبَبًا ... لِلْحُرِّ أَنْ يَجْتَدِي حُرًّا بِلَا سَبَبِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ: إذَا لَمْ أُعْطِ إلَّا مُسْتَحِقًّا فَكَأَنَّ أَعْطَيْت غَرِيمًا.
وَقَالَ: الشَّرَفُ فِي السَّرَفِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ. فَقَالَ: وَلَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ.
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ: الْعَجَبُ لِمَنْ يَرْجُو مَنْ فَوْقَهُ كَيْفَ يَحْرِمُ مَنْ دُونَهُ.
وَقَالَ بَشَّارٌ:
وَمَا النَّاسُ إلَّا صَاحِبَاك فَمِنْهُمْ ... سَخِيٌّ وَمَغْلُولُ الْيَدَيْنِ مِنْ الْبُخْلِ
فَسَامِحْ يَدًا مَا أَمْكَنَتْك فَإِنَّهَا ... تَقِلُّ وَتَثْرِي وَالْعَوَاذِلُ فِي شُغْلِ