هذا في صدد الآية الأولى. ولقد روى ابن كثير عن بعض الشيعة في سياق جملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عزوا إلى ابن عباس أنه قال «ما في القرآن آية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا أنّ عليا سيدها وشريفها وأميرها وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن إلّا علي بن أبي طالب».
وفي هذا ما فيه من غلوّ عجيب لا يتسق مع منطق وحقّ. مع الاحترام لجلال قدر علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقد أنكر ابن كثير القول وعزاه إلى غلوّ الشيعة.
ونأتي الآن إلى الآية الثانية فنقول إن المفسرين يروون- كمناسبة لنزولها- أن
الحطم بن هند البكري أحد بني قيس بن ثعلبة أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده وخلف خيله خارج المدينة فدعاه إلى الإسلام فقال انظروا (انتظروا) لعلي أسلم ولي من أشاوره ثم خرج ومرّ بسرح من سرح المدينة فساقه. ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلّد وأهدى فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، وفي رواية قال له ناس من أصحابه خلّ بيننا وبينه فإنه صاحبنا- أي الذي أخذ سرحنا- فقال إنه قد قلد. قالوا إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية فأبى عليهم ولم تلبث الآية أن نزلت. وإلى هذه الرواية فإن ابن كثير يروي عن زيد بن أسلم أن المسلمين قد اشتد عليهم صدّ المشركين لهم عن البيت يوم الحديبية فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابهم فأنزل الله الآية.
وروى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المشركين كانوا يحجون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك في الآية.
وقد أورد الطبري أقوالا عديدة عن السدّي وقتادة وابن عباس ومجاهد في تأويل جملة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً تفيد أنها في صدد المشركين وأنها تعني أنهم كانوا يلتمسون بحجهم فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم ومعايشهم ويترضونه.