ولهم من الدَّليلِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ الثابتِ في"الصحيحين": أنه أَهْدَى إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حِماراً وحْشياً، وهو بالأَبْواءِ، أو بِوَدّانَ، فردَّه عليهِ، فلما رأى ما في وَجْهِهِ قال:"إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلَّا أنا حُرُمٌ".
وذهبَ أكثُر الناسِ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ، فقال بعضُهم - وأظنُّه أبا حنيفة: يحرُم عليهِ إن صادَهُ، أو صيدَ بإذنِه، أو دِلاَلتِه، وإن صيدَ بغيرِ
إذنِه ودِلالته، حَلَّ؛ بدَلالةِ حديثِ أبي قَتادَةَ الثابتِ في"الصحيحين": أنه كانَ في قومٍ مُحرِمينَ، وهو حَلالٌ، فبينما هُم يسيرونَ، إذْ رَأَوْا حِمارَ وَحشٍ، فحملَ أبو قَتادةَ على الحُمُرِ، فَعَقَرَ منها أتانًا، فنزلْنا فأكلْنا من لحمِها، ثم قلنا: أنأكلُ لحمَ صيدٍ ونحنُ مُحرِمون؟ فحملْنا ما بقيَ من لحمِها، فأدركْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألْناه عن ذلكَ، فقال:"هل منكُم أحدٌ أمرَهُ أن يحمِلَ عليها، أو أَشار إليها؟"فقالوا: لا، قال:"فكلوا ما بقي من لحمها".
وقال بعضُهم: يحرُم عليهِ إن صادَه أو صِيْدَ لأجلِه، سواءٌ كان بإذنِه أو بغيرِ إذنه، وبه قالَ مالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق، واستدلُوا بما روى الترمِذِيُّ عن جابر - رضي الله عنه -؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَحمُ الصيدِ لكمْ حَلالٌ ما لم تصيدوهُ، أو يُصادَ لكم". قال أبو عيسى: هو أحسنُ حديثٍ في البابِ.
وتأول الشافعيُّ حديثَ الصعبِ بنِ جَثّامَةَ بأنه - صلى الله عليه وسلم - ظَنَّ أنهُ صيدَ لأجلِه،
وتأوَّلَ حديثَ أبي قَتادة بأنه لم يَصِده لأَجْلِهم؛ بدليلِ كراهتِهِم لفعله؛ حيثُ لم يناولوه سَوْطَهُ، فجعلَ حديثَ جابرٍ مُفَسِّراً للأحاديثِ.
فإن قلت: كان الأَوْلى أن يُجْعَلَ حديثُ أبي قتادَةَ مُفَسِّراً لحديثِ جابر؛ لأن الغالبَ ألاّ يُصادَ للرجلِ إلا بإذنِه؛ بدليلِ حديثِ أبي قَتَادَةَ؛ حيثُ لم يعتبرْ فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلا الأمرَ أو الإشارةَ.