ومنهم من قال: يطعمُ حيثُ شاءَ؛ كسائرِ الإطعامات؛ فإنه يجوزُ بكلِّ مكاني، وهو قولُ عطاءٍ، ومحمدِ بنِ جَريرٍ الطَّبَرِيِّ.
وقد قدمتُ ما قيل في قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] .
* إذا تَمَّ هذا، فقد بَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - أنه حَرَّمَ المدينةَ كما حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فلا يُصادُ صيدُها، ولا يُعضَدُ شَجَرُها.
وخالفَ في ذلكَ أبو حنيفةَ، وقال: يجوزُ اصْطِيادُ صَيْدِها.
والجمهورُ على خلافِهِ؛ للحديثِ الصَّحيح.
* وإنما اختلفوا في جزاءِ صيدِها.
فمنهم من أوجبه؛ كجزاءِ صيدِ مكة، ومنهم من أسقطَهُ، ومنهم من جَعَلَ الجَزاءَ سَلْبَ القاتلِ.
125 - (22) قوله تبارك وتعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96] .
* أقولُ: لما بَيَّنَ اللهُ سبحانه في الآيةِ الأولى قتلَ الصيدِ وجَزاءهُ، بينَ في هذهِ الآيةِ حُكْمَ الأكلِ، وبينَ حُكْمَ صيدِ البحرِ، ومَيَّزَ بينَه وبينَ صيدِ البر.
* أما صيدُ البَرِّ فَحُرِّمَ على المُحرِمِ أَكلُهُ؛ لقولهِ تعالى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] ، وهذا مُطْلَقٌ في جميع الأحوال، سواءٌ صادَهُ مُحْرِم أو حَلالٌ.
وقد حُكِي عن جماعةٍ من السَّلَفِ العَملُ بظاهرِ الإطلاقِ.
ورُوي عن عَلِيٍّ أنه كانَ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ - رضي الله تعالى عنهما - فَأُتِي عثمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ، فأكلَ عثمانُ، وأبى عليٌّ أن يأكل، فقال: واللهِ ما صِدنا، ولا أَمَرنا، ولا أشَرنا، فقال عليٌّ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] .
ورويَ عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أنه كَرِهَ لَحمَ الصيدِ وهو مُحرِم، أُخِذَ لَهُ، أو لَمْ يُؤْخَذْ، وإن صادَهُ الحَلالُ.
وعن أبي هريرةَ مثلُه، وكذا عنِ ابنِ عَمرٍو، وسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ مثلُه أيضاً.