وهذا لا يَصحُّ عن أبي عبدِ الله، ولا يُظَنُّ به أنه يترُكُ العِلَّةَ التي أشارَ إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهيَ الفِسْقُ، ويتعلَّلُ بِعِلَلٍ أخرى غيرِها، ولكنهم وَهِموا عليه لَمَّا أفتى بتحريم قتلِ الصيدِ المأكولِ، ظَنَّوا أنه يُبيحُ قتلَ غيرِ المأكول مُطْلَقاً، وربّما أوْهمَهُ كلامُه في كتاب"الأم"، وليس كذلكَ.
بلِ الآيةُ تقتضي تَحْريمَ قتلِ المأكولِ، ولا تَقْضي بتحليلِ قتلِ غيرِ المأكول.
ولمّا بينَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الفواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ، ألحقَ بهنَّ ما كان في معناهُنَّ، ويبقى الباقي على مُقْتَضى الدليل.
وربما أرشدَ كلامُ الشافعيِّ في مَوْضِعٍ آخرَ من"الأم"إلى مثلِ هذا.
* فإن قلتَ: فما مَعْنى قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] ؟
قلنا: حُرُمٌ جَمعُ حَرام، يقال: رجلٌ حَرامٌ، ورِجالٌ حُرُمٌ، مثل قَذال وقُذُل، والحَرامُ هو المُحْرِمُ الداخِلُ في حُرَمة لا تُهْتكُ، ويقعُ ذلك على الداخلِ في النُّسُكِ، وعلى الداخِلِ في الحَرَمِ، وعلى الداخلِ في الشهرِ
الحرامِ، قال الشاعِرُ: [البحر الكامل]
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَليفَةَ مُحْرِماً ... ودَعا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذولا
وكان قتلُه لِثماني عَشْرَةَ ليلة خلَتْ من ذي الحِجَّةِ.
* وقد حصلَ الإجماعُ على عدمِ اعتبارِ الزمانِ في هذا الحُكْمِ، وأجمعوا على اعتبارِ الدُّخولِ في النُّسُكِ.
واختلفوا في اعتبارِ الحَرَمِ.
فقالَ فقهاءُ الأمصارِ باعتباره، وقال داودُ: إذا قتلَ الحَلالُ صَيْداً
في الحَرَمِ، لا جَزاءَ عليه، وإنْ وإنَ مُخْطِئاً مأثوماً.
فإن قلتَ: فما الوجهُ الذي من أجلِه أوجبَ فقهاءُ الأمصارِ الجزاءَ؟
قلت: من قالَ من الفقهاءِ بِحَمل اللفظِ المُشْتَرَكِ على معانيهِ، أوجبَ فيهِ الجزاءَ بالآية، ومن لم يقلْ بعمومِ المُشْتَرَكِ، أوجَبَهُ بالقِياس على المُحْرِم بجامِعِ النَّهْيِ عن القَتْلِ في حالتي حُرْمَةٍ.
وقد تبيَّنَ بهذا مُسْتَنَدُ الإمامِ داود؛ فإنه لا يقولُ بعموم المشترك، ولا بالقياسِ، وظهر أن قول أبي حنيفة لا مستندَ لهُ من جهةِ النظرِ؛ لأنه لا يقولُ بعمومِ المشترك أيضاً، ولا بالقياس في الكفّارات.