* ولما أحل اللهُ سبحانه صيدَ البحرِ في الآيةِ الثانيةِ، علمنا أن المُرادَ بالصيد في هذه الآية هو صيدُ البرِّ، وأنه من العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ، وعلى هذا أَجْمَعَ العلماءُ، لكنهم اختلفوا في حقيقةِ الصيد.
فقال أبو حَنيفةَ: كلُّ حيوان صِيدَ، سواءٌ كانَ مأكولَ اللَّحْمِ، أو لا،
مُؤْذِياً أو ساكِناً، واستدلوا بقولِ عَلِيٍّ - رضيَ اللهُ تعالى عنهُ -: [البحر الكامل]
صَيْدُ المُلوكِ أرانِبٌ وثَعالبٌ ... وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطالُ
ولكنه استثنى الخَمسَ الفواسِقَ اللَّاتِي ذَكَرَهُنُّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"خَمْسُ فَواسِقَ يقتَلْنَ في الحِل والحَرَمِ: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقورُ"، ولم يُلْحِقْ بهنَ من الشباعِ العادِيَةِ شَيْئًا سِوى الذِّئْبِ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: الصيدُ هو ما حَلَّ أَكْلُهُ؛ فإن العربَ
لا تُسَمِّي ما لا يُؤْكَلُ صَيْداً، وقد سألَ عبدُ الرحمنُ بْنُ عُمارَةَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - عن الضَّبُعِ، فقالَ: أَصَيْدٌ هي؟ قال: نعم، قال: أفيها جزاءٌ؟ قال: نعم، كبشٌ، قلتُ: سمعتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ: نعم.
فاكتفيا بذكرِ الصَّيْدِ عن ذكرِ الحلال؛ لتلازُمِهما.
وأما البيتُ، فإن صَحَّ من قولِ عليٍّ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - ، فهو دليلٌ على أن الصَّيْدَ ما يُؤْكَل لَحْمُه؛ كالثعالِبِ والأرانِبِ، وإنما أطلقَهُ على الأبطال تَجَوُّزاً؛ لأخذِه لهم كأخذِ الصائدِ الصيدَ.
ولكنِ الشافعيُّ ومالكٌ اختلَفا في تفصيلِ المأكولِ من غيره.
فَجَوَّزَ مالِكٌ أكلَ السِّباعِ؛ كالفَهْدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ، وسَمّاهُ صَيْداً، ولكنه جَوَّزَ قَتْلَها في الحَرَمِ والإحْرام؛ لوجودِ عِلَّةِ الفِسْقِ فيها، فتعارَضَ عندَهُ القِياسُ وعُمومُ الآية، فقَضى بالقياسِ على العُموم.
فإن قلتَ: فالشافعيُّ هلْ يُجَوِّزُ للمُحرِمِ قتلَ ما عدا الصيدَ؛ مِمَّا ليسَ بِفاسِقٍ ولا في معناه؟
قلتُ: أطلقَ كثيرٌ من مُصَنِّفي الشافعيةِ القولَ عن الشافعي أنه يقولُ بإباحةِ قتلِها، وأنه ألحقَها بالفواسِقِ، وأنه جعلَ العِلَّةَ في إباحَةِ الخَمسِ الفواسِقِ تحريمَ أَكْلِها، فأباحِ للمُحْرِمِ قَتْلَ ما لا يَحِل أكلُه.