ولا مستندَ إلا فَتْوى الصَّحابِة بوجوب الجزاء كما يروى عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عباسٍ، وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - ، وزعم أَنَّهم حَكَموا في حَمامِ مَكَّةَ بشاةٍ، ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ.
* ثم بين اللهُ سبحانَه الجَزاء فقال: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، فَقَيَّدَ الجَزاء بذكرِ العَمدِ، فاقتضى بمفهومه أَنَّ من قتلَه ناسِياً أو خاطِئاً لا جزاءَ عليه.
وبهذا قالَ أهلُ الظاهِرِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في القديم، وأحمد في إحدى روايتيه.
وذهب الجمهورُ كابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجديد إلى التسوية في الجزاء بين العامد والناسي والمخطئ؛ لأن النسيانَ عذرٌ في رفعِ المَأْثَمِ، لا رَفْعِ المَغْرَمِ، وشهادةُ الأصولِ قاضِيَةٌ بذلك؛ كقتلِ الخَطَأ وسائِرِ المُتْلَفاتِ.
وقال الزهريُّ: وجبَ الجزاءُ في العَمدِ بالقرآنِ، وفي الخَطَأ بِالسُّنَّةِ.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعطاء: من قتلهُ منكمُ مُتَعَمِّداً، فمن قتلَه خَطَأً كيف يغرمُ، وإنما جُعِلَ الغُرْمُ على من قتلَهُ مُتَعَمِّداً؟ قال: تُعَظَّمُ بذلكَ حُرماتُ الله، ومضت به السُّنَّةُ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: وردَ القرآنُ بالعَمْدِ، وجُعِل الخَطَأُ تغليظاً.
وأجابَ هؤلاءِ عنِ ذكرِ العَمدِ في هذهِ الآيةِ بأجوبةٍ:
أحدها: أن ذكرَ العمدِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فهو للتغليبِ، لا للتقييد.
ثانيها: إن وصفَ العمدِ ذُكِرَ لِتُعَلَّقَ بهِ بعضُ الأحكامِ المُخْتَصَّةِ به، وهو ذوق الوبَالِ المَذكورِ في آخِر الآيةِ.
وهذا ضعيفٌ؛ لأن الوبَالَ المَذوق هُو الجزاءُ، وذلك لا يَخْتَصُّ به العمدُ.
وأحسنُ من ذلكَ أنْ يُقال: ذُكِرَ ليعلَّقَ عليهِ العَفْوُ؛ إذِ العَفْوُ مُخْتَصٌّ بالعَمْدِ، بدليلِ قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95] ، والانتقامُ غيرُ العفوِ، وهذا أمرٌ زائدٌ على الجزاء، وهو مختصٌّ بالمُتَعَمَّدِ أيضاً، فكأنه أرادَ: مَنْ قتلَهُ منكم قَبْلَ ورُودِ النهي جاهِلاً بالتحريمِ، فعليهِ الجَزاءُ، وعَفا اللهُ عمَّا سَلَفَ؛ كما قال تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23] .