وبهذا قال الشافعيُّ ومالكٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا دفعَها إلى مسكينٍ واحدٍ في دَفَعاتٍ، جازَ، وجعلَ العددَ المذكورَ للتقدير، لا للتمليك له، وتقديرُ الخطابِ عنده: فإطعامُ طعامِ عشرةِ مساكينَ.
وهذا ضعيفٌ؛ لِما فيه من الإضمارِ والتجويزِ، ولما فيه من حذفِ المفَعول، ولما فيه من تركِ البيان لمنْ تُصرَفُ إليه هذه الصدقةُ، والحقيقةُ خير من المَجازِ، والذكرُ خير من الإضمارِ، والبيانُ خير من الإجْمال، واتباعُ الظاهرِ أَوْلى من التأويلِ.
* ثم بيَّنَ اللهُ سبحانه صِفَةَ هذا الطَّعامِ، فقال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] ، والوسط يقع على الخيارِ، ويقع على الوَسَطِ بينَ الطَّرَفَيْن، وهو المقصودُ هنا بالاتفاق.
قال ابنُ عَبّاسٍ - رضي الله تعالى عنهما - كان الرجلِ يقوتُ أهله قوتاً فيه سَعَة، وكانَ الرجلُ يقوتُ أهلَه قوتًا وَسَطاً، وقوتاً دُون ذلك، فالواجبُ
على الرجُلِ أن يُخْرِجَ من القوت الذي يُطْعِمُهُ أَهْلَه.
فهل المُرادُ بالذي نطعمُه أهلَنا أهلَ المُكَفِّرِ خاصَّةً حتى يجبَ عليه أن يخرجَ من قوَّتِه، أو أهلِ الجميعِ منّا، حتى يجبَ غالبُ قوتِ أهل البلد؟ فيه احتمال.
وقد اختلفَ في ذلكَ القولُ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ.
* والوسطُ الذي ذكرهُ اللهُ سبحانه، وقَيَّدَ به إطلاقَ الإطعامِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَدَّرٍ.
فقدَّرَهُ الشافعيُّ بالمُدِّ؛ لأنه أقلُّ ما وُجِدَ، كَما في كَفارة المُفْطِرِ في شَهْرِ رَمَضانَ، وأخذ في تقديرِه بقولِ ابنِ عَبّاسٍ وزيِد بنِ ثابت - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - .
وَقدَّرَهُ أبو حنيفةَ بِنِصْفِ صالح من حِنْطَةٍ، أو صاعٍ من تَمْرٍ أو شعيرٍ؛ كما قال في زكاةِ الفِطْر.
ومالِكٌ - رحمه اللهُ تعالى - قَيَّدَ هذا الإطلاقَ بالعادَةِ؛ كما هو أصلُه، فقال: يُعطي المِسكينَ مُدًّا منَ الحنطةِ إذا كانَ في المدينة؛ لضيقِ مَعاشِهم،
وأما سائُر المُدُنِ، فيعطونَ الوسَطَ من نفقتهم.
* هذا في الإطْعامِ، وأما الكُسْوَةُ، فإن الله سبحانه أَطْلَقَها، ولم يقيّدها بالوَسَطِ.
فمن أهلِ العلمِ من أخذَ بإطلاقِه، فقال: يُجْزِئُ أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ؛ من إزارٍ، أو قميص، أو سراويلَ، أو عِمامة.
وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفة.