* ذكر اللهُ سبحانَهُ اليمينَ في آيتينِ من كتابهِ العزيز، وقَسمها إلى لَغْوٍ وغَيْرِه.
-فأما اللَّغْوُ، فقد ذكرتُ اختلافَ العلماءِ فيه.
وأما حقيقَتُه، فهو ما كانَ باطلاً وما لا يُعْتَدُّ بهِ منَ القول، ومنه قيلَ لولد الناقَةِ الذي لا يُعْتَدُّ بهِ في الدِّيَةِ: لَغْوٌ.
وحقيقةُ هذا الاسمِ واقعةٌ على الأقوالِ جميعِها، إما وَضْعاً، وإمّا شَرْعاً، لكنه فيما اختارَهُ الشافِعيُّ أَظْهَرُ وقوعاً.
-وأما غيرُ اللَّغْوِ، فذكرَها اللهُ سبحانَهُ بِوَصْفَيْنِ في الآيتينِ، فقال في إِحداهُما: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، وكَسْبُ القلب هو قَصْدُه للشيءِ، وعَزْمُهُ عليه، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، وجعلَ الكَسْبَ مُفَسِّراً للوَصْفِ الآخَرِ الذي هُو العَقْدُ.
وقال في الأُخْرى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89] .
والعَقْدُ هو ربطُ الشيءِ بشيءٍ، وهو هاهنا رَبْطُكَ القَصْدَ القائِمَ بالقَلْبِ بالمَقْصود بواسِطَةِ القَسَمِ، وهذه الحقيقةُ موضوعةٌ لما تُصُوِّرَ حَلُّه.
* وقد وصفَ اللهُ سبحانه رَفْعَ اليمينِ بالحِلِّ، فقالَ تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] ، وهذا المعنى يَقْتضي أن يكونَ اليمينُ على ظَنِّ شَيْءٍ، والحقيقةُ بخلافِه لَغْوٌ؛ لأنه ليسَ بعقدٍ يُتَصَوَّرُ حَلُّه.
وبهذا المعنى أخذَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ، وأحمدُ، وجعلوا العَقْدَ المذكور هنا مفسِّراً للكَسْب المَذْكور في سورة البقرة.
وقال الشافعيُّ: لا إِثْمَ فيه، وعليهِ الكَفَّارَةُ؛ لأنها يَمينٌ مُكْتَسَبَةٌ بالقَصْدِ إليها.
* ومن أجل هذا أيضاً اختلَفوا في وجوبِ الكَفّارَةِ في اليَمينِ الغَموسِ، وهي اليمينُ على شيءٍ ماضٍ أَنَّهُ ما كان، وهو قَدْ كانَ، وتعمَّدَ الكذبَ على ذلك.
فقال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ:
لا كفَّارةَ لها؛ لأنها ليستْ بمُنْعَقِدَةٍ؛ لعدمِ تصوُّرِ حَلِّها، وإنما هيَ مَكْرٌ وخديعة، واختارَهُ ابنُ المنذرِ.
واحتجُّوا من السنَّةِ بقولهِ - صلى الله عليه وسلم -:"من حَلَفَ على يمينٍ يقْتَطعُ بها مالَ امْرِئً مُسْلِمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لقيَ الله وهوَ عليهِ غَضْبانُ".
وقال الشافعيُّ تجبُ الكفارةُ؛ لأنها مُكْتَسَبَةٌ بالقلبِ.