وأجيبَ عن الحديثِ بأنه - صلى الله عليه وسلم - علَّقَ ذلكَ باليمينِ، وباقتطاعِ مالِ المسلمِ، والكفارةُ لا تهدمُ ظلمَ المُسلمِ، ولو كان حُجَّةً، لوجبَ أن تكونَ الكفارةُ في اليمينِ الغَموس التي لا اقْتِطاع فيها لمالِ مسلمٍ، وهم لا يقولون بذلك.
وهذا الجوابُ ضعيف، فإن الظاهرَ أن التقييدَ بمالِ المُسلمِ للتَّعريفِ والتَّعظيمِ، لا للتَّقييدِ، بدليلِ قوله:"وهو فيها فاجر".
فإن قلتَ: فما حقيقةُ اليمينِ التي عُلَّقَتْ بها هذهِ الأحكامُ؟
قلنا: هو تعليقُ القسمِ بالشيءِ العظيمِ على تركِ شيءٍ أو فعلِه.
وسُمِّيَتِ اليمينُ يَميناً؛ لأن العربَ كانتْ إذا أعطتْ مواثيقَها، مَدَّتْ أَيْمانَها؛ تأكيداً للمواثيق، فأطلق لفظُ اليمينِ على القولِ المصاحِبِ
لذلكَ تجَوُّزاً حتى صارَ حَقيقَةً فيه.
وقد كانتِ العربُ تُعَظّمُ أشياءَ في الجاهِلِيَّةِ، وتقسِمُ بها، أبطلَها الشرعُ، وبقيت العظمةُ لله جَلَّ جلالُه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا تَخلفِوا بالطَّواغي، ولا بِآبائِكم، فَمَنْ كانَ حالِفاً، فَلْيَخلِفْ باللهِ، أو لِيَصُمْت".
* وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تحريمِ الحَلِفِ بالطَّواغي كاللَّاتِ والعُزَّى، فإن قصدَ تعظيمَها، فهو كافرٌ، وإن لم يقصدْ تعظيمَها، فليسَ بكافرْ، وربَّما قالَ بعضُهم بكفرِه؛ لإِطْلاقِ الأحاديثِ في ذلك، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ حَلَفَ منكُم، فقالَ في حلفه: باللاّتِ والعُزَّى، فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ".
* واتفقوا أيضاً على مَنْعِ الحلفِ بالآباءِ والمُلوك وغيرِهم منَ العُلماءِ والصّالحين، واختلفوا هل ذلكَ على التَّحريم، أو التَّنزيهِ؟ والخِلافُ موجودٌ عند المالكيّة والشافعيَّةِ جَميعاً.
* واتفقوا على صِحَّةِ اليمينِ باللهِ جَل جَلالُهُ، وبأسمائِهِ.
* واختلفوا في الحَلِفِ بصِفاتِ الله، وجَوَّزَهُ الجُمهورُ، وخالفَ فيه أبو حَنيفةَ.
* واختلفوا بالحلفِ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصَّةً منَ الأنبياءِ - صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُه -
فمنعَهُ الجُمهورُ، وجَوَّزَهُ أحمدُ، وعَقَدَ بهِ اليمينَ؛ لأنهُ لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا به، ولكن هذا ينتقضُ بسائرِ الأنبياءِ - صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين - ؛ فإنه لا يتم الإيمانُ إلا بهم.
* واختلفوا في الحَلِفِ بما أَقْسَمَ به اللهُ تعالى وعَظمَهُ، فجوَّزَهُ قومٌ، ومنعه آخرون، وبَسْطُ ذلكَ يطولُ.