فيحتملُ أن يكونَ هذا قبلَ نُزولِ هذهِ الآيةِ، فيكونَ منسوخًا؛ كما رُوي عن عليٍّ وابنِ عباسٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم -: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّيْنِ.
ويحتملُ أن يكونَ بعدَ نزولِ هذه الآيةِ، فيكونَ: إمّا ناسِخًا لهذه الآية عندَ من يَجَوِّزُ النَّسْخَ للكتابِ بالسُّنَّةِ، وإما مُبيِّنًا لها أنَّ المرادَ بها غيرُ لابِسِ الخُفِّ، ولأجلِ هذا توقَّفَ قومٌ، وشَكُّوا في جوازه.
وذهب ابنُ عباس - رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما - إلى أنه كانَ قبلَ نُزولِ المائدةِ، وقالَ: واللهِ مَّاَ مَسَحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ المائدةِ.
ويروى مَنْعُ المَسْحِ عن عائِشَةَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهم - .
واستقرَّ على هذا مذهبُ الشيعةِ، وهو روايةٌ عن مالِكٍ، وأنكرها أصحابُه، وبعضُهم تأَوَّلَها على أنه كانَ يُؤثرُ الوُضوء على المَسْحِ.
وذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ وعامَّتُهم منَ الصحابةِ والتابِعينَ إلى جوازِه، وتمسَّكوا بروايةِ جَريرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ له عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وكان يعجبُهم حديثُه؛ لأنَّ إسلامَهُ بعدَ نزولِ المائدةِ في شهرِ رمضانَ سنةَ عَشْرٍ، وفي بعضِ رواياتِه التصريحُ بأنه رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يمسحُ على الخُفَّينِ بعدَ نُزولِ المائدةِ.
روى البَيْهَقِيُّ في"سُنَنِهِ"عن إبراهيمَ بنِ داودَ - رضيَ الله تعالى عنه -: أنه قالَ: ما سمعتُ في المسحِ على الخُفيْنِ أَحْسَنَ من حديثِ جريرٍ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه - .
وأما ما رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من الإنكارِ، فإنه كانَ قبلَ أن يعلمَ ثبُوتَ المَسْحِ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما ثبتَ عندَهُ، قال به.
قال أبو بكرِ بنُ المُنْذِرِ: وروي عن موسى بن سَلَمَةَ بإسنادٍ صحيح: أنه رخص فيه.
وأما عائشةُ، فإنها أحالَتْ على عَلِيٍّ، فقالت للسائِلِ: ائْتِ عَلِيًّا؛ فإنه أعلمُ بذلكَ مني، فأتيتُ عَليًّا وسألتهُ عن المسحِ على الخفين، فقال: كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرُنا أن نمسحَ على الخُفَّينِ يومًا وليلةً، وللمسافرِ ثلاثة أيامٍ، خرجه مسلم.
وما رُويَ من قولِ عليٍّ: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّين، قال ابنُ المنذر: فليسَ لهُ إسنادٌ موصولٌ صحيحٌ تقومُ به حُجَّةٌ.