* واختلفوا في دُخولِ الكَعْبينِ، كَما اختلَفوا في دُخول المِرْفَقَيْنِ.
* واختلفوا أيضًا في المُرادِ بالكَعْبَيْنِ.
فقال الجُمهورُ من أهلِ العلمِ: هما العَظْمان النَّاشِزانِ عندَ مفصِلِ الساقِ والقَدَمِ.
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ وبعضُ أصحابِ الحديثِ: هما العَظْمانِ النّاتِئانِ في ظَهْرِ القدمِ.
والدليلُ للجُمهورِ ما رواه البخاريُّ عن محمدِ بنِ زيادٍ قال: سمعتُ أبا هريرةَ، وكان يَمُرُّ بنا والناسُ يتوضَّؤون من المطْهَرَةِ، فقال: أَسْبغوا الوُضوءَ؛ فإن أبا القاسِم - صلى الله عليه وسلم - قال:"وَيْلٌ للأَعْقابِ منَ النارِ".
* وكذلكَ اختلفوا في الترتيبِ لهذهِ الأفعالِ.
فذهبَ الجُمهور من الصحابةِ والتابعين إلى أنه ليسَ بواجبٍ، وبه قالَ مالكٌ، وأبو حنيفة، وداودُ، والمُزنيُّ؛ لأن الواو لا تَقْتَضي تَرْتيبًا، ولا نَسَقًا، وإنما تقتَضي مُطْلَقَ الجَمْعِ.
وذهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ إلى وجوبِ الترتيبِ.
ويدلُّ لهم أن الفاءَ تقتضي الترتيبَ، وقد عُلِّقَتْ طَهارةُ الوجهِ بالقيام، فدلَّ على أنه لا يجوزُ أن يتقدمَ غيرُهُ عليه، ولأنَّ اللهَ سبحانه قطعَ النظيرَ عن النظيرِ، فأدخلَ مَمْسوحًا بينَ مغسولَيْنِ، وقَدَّمَ القريبَ على ما هو أقربُ منه، فقدَّمَ اليَدَيْنِ على الرأسِ، وهو محلُّ الوَجْهِ، فدلَّتْ هذه المقاصِدُ والأَماراتُ على وجوبِ الترتيبِ.
وقولُ الأولينَ: إن الواوَ لا تقتضي نَسَقًا ولا تَرْتيبًا غيرُ مُسَلَّمٍ، بلْ نُحاةُ الكوفةِ قائلونَ باقْتِضائِها الترتيبَ، ولم يُنْقَلْ إلينا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تركَ الترتيبَ في وضوئه، بل تَوَضَأَ مُرَتبًا، وقالَ:"هذا وُضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصلاةَ إلا بهِ".
وأحسنُ عندي من ذلكَ كلِّه في الاستِدْلالِ ما استدلَّ بهِ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ من قولهِ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّفا:"نَبْدَأُ بما بَدَأَ اللهُ بهِ"، فجعلَ بِدايةَ اللهِ سُبْحانهُ سَبَبًا للتقديم.
* إذا تقرَّرَ هذا، فقد روى غير واحدِ من الصحابةِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
أنّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ.
قال الحسنُ البصريُّ - رضي الله تعالى عنه -: حَدَّثنَي سبعونَ من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يمسحُ على الخُفَّيْنِ.