وبين النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كما أحلَّه الله تُعالى، فقال لأبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ لما سأله:"فَما أَصَبْتَ بقوسِكَ فاذْكُرِ اسمَ اللهِ - عزَّ وجَلَّ - ، ثم كُلْ، وما أَصَبْتَ بكلبِك المُعَلَّمِ، فاذْكُرِ اسمَ اللهِ - عزَّ وجَلَّ - ، ثم كلْ، وما أصبتَ بكَلْبكَ الذي ليسَ بمُعَلَّمٍ، فأدركْتَ ذكاتَه، فَكُلْ".
* وقد اتفق العلماءُ على أن التعليمَ المذكورَ في الآية والحديثِ للاشتراطِ والتقييدِ، فيحل صيدُ المُعَلَّمِ، ويحرمُ صيدُ غيرِ المعلم، إلا أن يدركَ ذكاتَه.
والحكمة في ذلك أنه يصير كسائرِ الآلاتِ التي لا اختيارَ لها، فيشترطُ فيه أن يُجيبَه إذا دعاه، وأن ينبعثَ إذا أشلاه، وأن ينزخر إذَا زجرهُ.
* ثم لمّا خصصَ الله سبحانه تحليلَ صيدِها بكونِه مُمْسَكًا عَلينا، فهمنا تحريمَ ما أمسكتهُ الجائعة على غيرنا، وقد بينه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كذلك، فقال لعديِّ بنِ حاتِمٍ - رضي الله تعالى عنه - لما سأله:"إذا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ، وذكرتَ اسمَ الله، فكلْ، فإن أكلَ منهُ، فلا تأكلْ منه؛ فإنما أمسكَ على نفِسه"قلت: فإن وجدْتُ مع كلبي كَلْبًا آخَرَ، فلا أدري أَيُّهما أخذَ، قال:
"فلا تأكلْ، فإنما سَمَّيْتَ على كلبِك، ولم تُسَمِّ على غيره".
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، والثوريُّ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - ، وبه نأخذُ.
وذهب قومٌ إلى إباحةِ ما أكلَ منهُ الكلبُ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ثعلبة الخشني:"إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم، وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْ"، قال أبو ثعلبة: قلت: وإن أكلَ منهُ يا رسول الله؟ قال:"وإن أكلَ"، رواه أبو داود.
وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ في أضعفِ قوليه.
ويروى عن ابنِ عمرَ - رضي الله تعالى عنهما - .
قال أهلُ العلمِ بالترجيحِ: وحديثُ عديّ أرجحُ؛ لكونه
مُتَّفَقًا عليه، ولهذا رواه البخاريُّ ومسلمٌ.
قلت: ولكونه أحوطَ.
* ثم اختلفَ أهلُ العلم في اختِصاص الجوارحِ بالكلابِ.
فقال فريقٌ منهم بالتخصيص، ومنعوا الصيدَ بغيرِها من جوارحِ السباعِ والطيورِ.
وبه قالَ مُجاهد.
وتمسكوا بظاهرِ قوله تعالى: {مُكلَّبِينَ} [المائدة: 4] ، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف.