فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. وحاصل هذا القول في الآية بأنها محكمة أنها إنما هي في الوقت الذي لا يقبل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسيأتي الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضعه، ونذكر ما اختلف فيه من ذلك إن شاء الله تعالى. وذهب قوم منهم سعيد بن جبير إلى أن معنى هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} : التزموا شرعكم بما فيه من جهاد أو أمر بمعروف أو غيره، ولا يضركم أهل الكتاب إذا اهتديتم. وذهب قوم منهم ابن زيد إلى أن المعنى: {يا أيها الذين آمنوا} يريد أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السائبة، {عليكم أنفسكم} في الاستقامة على الذين لا يضركم ضلال الآباء إذا اهتديتم. قال ابن زيد: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار: سفهت آباءك وضللتم وفعلت وفعلت، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أنها نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين: لا يضركم ضلالهم. وذهب قوم إلى أن معناها لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر. وقال سعيد بن جبير: أراد بهذه الآية أهل الكتاب الذين يقرون الجزية على الكفر ولا يضرهم كفرنا، لأنا أعطيناهم الذمة على أن نتركهم وما يعتقدون، ولا يسوغ لنا نقض عهدهم بإجبارهم على الإسلام، فهذا الذي لا يضرنا الإمساك عنه.
(106) - (108) - قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} إلى قوله: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} :
وقد قال مكي: إن هذه الآيات عند أهل المعاني أشكل ما في القرآن إعرابًا وحكمًا، ونحن نبين إن شاء الله تعالى معناها وحكمها. فأما الإعراب، فالاشتغال به ليس مما نقصده، وفيه تعويل. فأما ما تقدم الكلام على سبب الآية، وسببها بلا خلاف أن تميمًا الداري وعدي بن برا كانا نصرانيين فسافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان، وقدم المدينة أيضًا ابن أبي ماوية مولى ابن أبي العاص يريد الشام أيضًا تاجرًا، فخرجوا في رفقة واحدة، فمرض ابن أبي ماوية في الطريق. قال الواقدي: فكتب وصيته بيده ودفنها في متاعه