تصنع بقوله تعالى: {ولما جاءَ موسى لميقاتنا وكلّمهُ ربُّه} [1] ، فبهت المعتزليّ". [2] "
ونحب أن نذكر كلام الإمام عبد العزيز مع الاختصار من كتابه"الحيدة": قال للمريسي الذي كان يعتقد بخلق القرآن:"يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: إما أن تقول إن الله خلق القرآن وهو عندي كلامه في نفسه، أو خلقه قائمًا بذاته ونفسه أو خلقه في غيره". قال: أقول خلقه كما خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرًا، فقد انقطع.
فقال الامام عبد العزيز:"إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لأن الله لا يكون محلًا للحوادث المخلوقة، ولا يكون منه شيء مخلوقًا، وإن قال خلقه في غيره فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه. وإن قال خلقه قائمًا بنفسه وذاته فهذا محال لا يكون الكلام إلا من متكلم كما لا تكون الإرادة إلا من مريد والعلم إلا من عالم ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقًا عُلم أنه صفة لله". [3]
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، مذهب السلف والخلف كلهم متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. كما أنهم متفقون على أن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء فقد قال الإمام الطحاوي -ومعلوم أن عقيدة الإمام الطحاوي هي عقيدة أهل السنة والجماعة- قال:"أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة". [4]
فنعلم من هنا أن قول الحبشي باطل ومخالف للقرآن وللسنة النبوية ولسلف وخلف أهل السنة والجماعة، فأما مخالفتهم للقرآن فهناك الكثير من الآيات التي لا نستطيع أن نذكرها هنا، فنكتفي بصراحة هذه الآية: {ولا يكلِّمُهم الله وَلا ينظُرُ إليهم} . [5] فهنا ذكر الله تعالى أنه يوم القيامة يكلم المؤمنين، فعلم أن كلامه ليس كلاما نفسيا، بل هو كلام حقيقة لا مجال للتأويل فيه مع وجود صراحة القرآن بذلك. وأما مخالفته للسنة النبوية فنذكر قوله عليه الصلاة والسلام وهو يستعيذ بالله قال:"أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوِزُهُنَّ برٌ ولا فاجر". [6]
وأما مخالفته لأئمّة أهل السنة والجماعة فنذكر هنا قول أبي حنيفة رضي الله عنه قال:"وهو (أي القرآن) كلام"
(1) الأعراف: 143.
(2) شرح العقيدة الطحاوية، ص177.
(3) كتاب الحيدة ص 79 - 80 نقلًا عن كتاب شرح العقيدة الطحاوية ج1ص 181.
(4) شرح العقيدة الطحاوية ج1ص 174.
(5) آل عمران: 77.
(6) أخرجه أحمد 3/ 419 وابن السني في عمل اليوم والليلة (642) وإسناده صحيح.