فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 228

امرأة تخرج إلى المسجد تعصف ريحها فيقبل الله منها صلاة حتى ترجع إلى بيتها فتغتسل". [1] "

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضا"أيّما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة". [2] ففي هذه الأحاديث دِلالةٌ قاطعة على تحريم خروج المرأة من بيتها متعطرة سواءٌ قصدت بذلك التعرض للرجال أم لم تقصد.

وقد استدل الأحباش وغيرهم من أهل الأهواء بما روي عن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:"كنا نخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمخ جباهنا بالمسك المطيب للإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهانا" [رواه الامام أبو داود] أقول والاستدلال بهذا الأثر عن ام المؤمنين باطلٌ أيضاَ، لأن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكنًّ يُخالطن الرجال أثناء الحج، بل كنًّ يطُفن في معزلٍ عن الرجال، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحة:"أن عائشة رضي الله تعالى عنها، كانت تطوف حِجرةَ - أي بمعزل _ من الرجال لا تخالطهن"لذا فلا يضرها رضي الله تعالى عنها إن تطيبت، مع أننا نعتقد أن هذا القول بعيد كل البعد عن ظاهر الحديث، إذ أنها رضي الله تعالى عنها قالت:"... فيراه ..."فهذا يدل دلالة واضحة على أن الطيب الذي تطيبت به رضي الله تعالى عنها هو الطيب الذي له لون ومن غير رائحة لأنه لو كان له رائحة لشمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يراه.

ويؤيد هذا القول الذي ذهبت غليه ما روي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفيَ لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفيَ ريحه" [رواه الترمذي، والنسائي] .

والذهاب إلى هذا القول أولى من القول بغيره لأن إعمال النصوص وجمعها في الباب الواحد أفضل من جحدها وهذا هو مذهب أهل السنة يعملون النصوص بعضها ببعض، بخلاف أهل البدعة فإنهم يتمسكون بمعنى من معان الحديث ويأخذون به ويضربون بباقي النصوص عرض الحائط.

ثم إن هناك قول آخر لأهل العلم وهو: أن الحديث يدل على الجواز التطيب في الحج فقط وليس في سائر الأوقات، لأنه كما خص في الحج عدم جواز لبس النقاب والقفازين على المرأة، قالوا: فلعله رخص لهنَّ التطيب في الحج فقط، لأنه مكان مأمون من الفتنة.

فهذا قول أفضل من الأقوال التي ذهب إليها الأحباش وأمثالهم من أهل الأهواء، مع أن الصحيح الذي ندين الله تعالى به هو ما قررناه في الأسطر السابقة، والله تعالى أعلم.

وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب اكتفينا بالاستدلال بهذا القسط منها خشية الإطالة. والاستدلال بهذه الأحاديث هو أن الاستعطار والتطيّب كما يستعمل في البدن يستعمل في الثوب أيضًا

(1) أخرجه البيهقي 3/ 133 - 246 وعزاه المنذري في الترغيب 3/ 94 لإبن خزيمة في صحيحه.

(2) رواه مسلم وأبوعوانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت