فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 159

والحالة الثانية: إذا غلب على ظنه أنه يضعف بالصيام، فلا يؤدي المشروع له في عرفة من الدعاء، والذكر، والابتهال، والتضرع لله سبحانه وتعالى، فالسنة له أن لا يصوم، لماذا قلنا بهذا التقسيم؟ لأن الإنسان بين أجرين: أولًا: النص في ذلك عام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل صيام يوم عرفة ولا يخصص ذلك إلا بمخصص بين، وأما ترك النبي عليه الصلاة والسلام للعمل فهو إما ترك للعمل تخصيصًا، أو تركه رأفة وشفقة؛ لأنه لو صام لصام الناس معه، والناس يأتون على رواحلهم وفي شمس حارة وفي فلاة، والماء معهم قليل، ويأتون من كل فج عميق، وفيهم الكبير، وفيهم الصغير، وفيهم العاجز، وفيهم المريض، وفيهم الضعيف، ومنهم من هو الخادم، ومنهم من يسوق الإبل وغير ذلك، ففيهم ناس على مراتبهم، فلو شرع النبي عليه الصلاة والسلام الصيام لهلك كثير من الناس. فالناس يغشى عليهم وهم في طعام وشراب في مثل هذه المواضع، فكيف لو شرع لهم الصيام، فالنبي عليه الصلاة والسلام شرع ذلك دفعًا لما يعرض لكثير من الناس من مفسدة في هذا. وإنما قلنا بالتقسيم بين هذين الأمرين؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل فضل الحج -والحج عرفة- تكفيرًا لما مضى من الذنوب كلها، وصيام يوم عرفة تكفيرًا لعامين، ففي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ، يعني: ما بين الولادة وما بين الحج كله مكفر إذا تقبل الله سبحانه وتعالى من عبده حجه، إذًا فقوله: (ولم يرفث ولم يفسق) خرج من الذنوب كلها، هذا تكفير لعام أو لعامين أو للعمر كله؟ هو تكفير للعمر كله. ويوم عرفة إنما هو تكفير لعامين: تكفير للسنة الباقية، وللسنة الماضية، أي: للسنة الماضية من جهة الصيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت