والتحديد يفيد الكلفة والمشقة، فأنت إذا أردت أن تعين شيئًا تكلف أحدًا بهذا الأمر ولا تجعل له الاختيار، والنفوس تتشوف إلى الاختيار لا إلى الإلزام، فلما كانت الكلفة على مثل هذا الأمر دل على أنه أفضل عند الله سبحانه وتعالى، فما كان مؤكدًا أفضل من غيره، وهذا كما أنه في الصيام كذلك في الصلاة، فالنوافل المعينة أعظم من النوافل المطلقة والسنن الراتبة أعظم من النوافل المطلقة التي يصليها الإنسان من سائر الركعات كصلاة الضحى، الضحى هي من النوافل المطلقة يصليها الإنسان ركعتين، أو يصليها أربعًا، أو يصليها ستًا، أو يصليها ثمانًا، أو يصليها عشرًا، وهي أيضًا من جهة وقتها موسعة. وأما بالنسبة للسنن الرواتب للفرائض فهذه محددة بعدد ومحددة بزمن وهي آكد، وكلما زاد التحديد زاد التأكيد، ولو قل العدد فهو أعظم من غيره، ولهذا الوتر وهي ركعة واحدة لاجتماع تحديدها في زمن معين وفي وقت معين كان تأكيدها أعظم من تأكيد غيرها، وكانت أفضل من بقية أصل النوافل ولو كثرت عددًا، ولهذا أفضل النوافل صلاة الوتر ولو كانت ركعة واحدة. كذلك في صيام النافلة المعينة من الصوم أفضل من النافلة المطلقة منه، ولهذا نقول: إنما عين بيوم أفضل مما عين بيومين، ما عين بيومين أفضل مما عين بثلاثة، وهكذا، هذا من جهة الأصل، لذا كان صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء؛ لأنه يصام يوم قبله ويصام يوم بعده، ويصام هو ويصام قبله، أو يصام هو ويصام بعده، ففيه شيء من السعة بخلاف عرفة فهو يوم معين، ولهذا كان عرفة يكفر السنة الماضية والسنة الباقية بخلاف يوم عاشوراء فإنه يكفر سنة واحدة.