وَأُوشَكُ أَنْ أُرْسِلَ حُجَزَكُمْ» [1] .
وفي هذا الكلام مجاز وتوسّع وذلك أنّ المراد به أنّه عليه الصلاة والسلام، يبالغ في زجر امّته عن التقحّم في المعاصي، والارتكاس في المضالّ والمغاوي بشكائم [2] المنع، وخزائم [3] الردع، فشبّه ذلك عليه الصلاة والسلام بإمساك الرجل بحجزة صاحبه إذا كاد أن يسقط في مهواة [4] أو يرتكس في مغواة ليتماسك بإمساكه، وينجو بعد إشفاقه، فلمّا شبّه إحدى الحالتين بالاخرى، أجرى عليها الاسلام على سبيل المجاز وطريق الاتّساع، وحسن أن يقول عليه الصلاة والسلام: «إنّني آخذ بحجزكم عن النار» ومراده: عن الأعمال المؤدّية إلى دخول النار لأنّ السبب للشيء جار مجرى نفس الشيء.
وممّا يبيّن أنّ المراد ذلك: أنّهم لم يكونوا في حال سماعهم لهذا الخطاب متهافتين في النار، وإنّما كانوا في الأعمال التي يستحقّون بها عذاب النار.
وممّا يشبه هذا الخبر
مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بَعْدَ مَا امْتَحَشُوا وَصَارُوا حُمَمًا وَفَحْمًا»
[5] ، فمعنى هذا
(1) مسند أحمد 2: 312، مجمع الزوائد 3: 85، كنز العمّال 4: 543/ 11600.
(2) الشكائم: جمع شكيمة، وهي من اللجام: الحديدة المعترضة في فم الفرس. وقوله قدس سره:
«بشكائم» متعلّق بقوله: «زجر» السابق.
(3) الخزائم: جمع خزامة، وهي حلقة من شعر تجعل في ونزة أنف البعير يشدّ فيها الزمام. أقرب الموارد 1: 272، مادّة (خ ز م) .
(4) المهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك أقرب الموارد 2: 1412، مادّة (هـ وي) .
(5) مسند أحمد 1: 23، كنز العمّال 14: 438/ 39197، الدرّ المنثور 3: 60.