فيها خطوه عن اللذات، وكبح لجامه [1] عن الشهوات، وحصر نفسه عن التسرّع إلى ما تدعو إليه الدواعي المخزية، والأهواء المردية، وكان زمام نفسه وخطامها [2] ، وهاديها وإمامها، خائفا خوف الجاني المرعوب، والطريد المطلوب، في عصبة عملوا للمعاد، وفطنوا للزاد، تحسبهم من طول سجودهم أمواتا، ومن طول قيامهم نباتا.
ومن أحسن ما سمعته في هذا المعنى: «أنّ بعض الزهّاد المنقطعين طلب القوت من بعض الراغبين المفتونين، فقيل له في ذلك [3] فقال: أنا مسجون وهو مطلق، وهل يأكل المسجون إلّا من يد المطلق؟!» .
وشبّهها عليه الصلاة والسلام بالجنّة للكافر من حيث استوعب فيها شهواته، واستفرغ لذّاته، وقضى فيها الأوطار، وتعجّل المسار، واستهواه عاجل حطامها، وريّق جمامها [4] ، فنسي العاقبة، واستهان بالمغبّة [5] ، فكان ميّت الأحياء، كما كان المؤمن حىّ الأموات.
ولي في بعض كتبي فصل، وهو لائق بهذا الموضع وذلك قولي:
«فالحمد لله الذي جعل أهل طاعته أحياء في مماتهم، كما جعل أهل معصيته أمواتا في حياتهم» .
(1) أي منع نفسه.
(2) الخطام: كلّ ما وضع في أنف البعير أو عنقه ليقتاد به. أقرب الموارد 1: 287، مادّة (خ ط م) .
(3) أي عوتب على طلبه.
(4) الريّق: الأفضل، والجمام: الراجة. أقرب الموارد 1: 140، مادّة (ج م م) و 1: 448، مادّة (ر وق) .
(5) المغبّة والعاقبة سيّان. راجع المصباح المنير: 442، مادّة (غ ب ب) .