يسوغ أن تكون أصابعه تعالى عن ذلك علوا كبيرا واصلة إلى قلوب خلقه مع هذا البعد العظيم، والمدى الطويل؟! ولو كان ذلك على حقيقته لوجب أن يكون له من الأصابع ما لا نهاية له حتّى يختصّ قلب كلّ عبد من عبيده بإصبعين من أصابع يده!! هذا لعمر الله القول المتفاسد، والظنّ المتكاذب.
وبمثل هذا الجواب نجيب من سأل عن قوله تعالى: {مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ََ ثَلََاثَةٍ إِلََّا هُوَ رََابِعُهُمْ وَلََا خَمْسَةٍ إِلََّا هُوَ سََادِسُهُمْ} [1] الآية، فنقول: أراد سبحانه أنّه معهم بالعلم والإحاطة، لا بالدنوّ والمقاربة لأنّ الأمر لو كان على ذلك لكان المعنى مستحيلا، وذلك أنّه تعالى لا يجوز أن يكون مع كلّ ثلاثة ولا مع كلّ خمسة في حال واحدة على الحقيقة لأنّ الجسم لا يصحّ أن يكون في مكانين في حال واحدة، تعالى الله عن تنقّل الأمكنة وتقلّب الأزمنة علوّا كبيرا.
وممّا يبين كذب قولهم وفساد تأويلهم
مَا رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ
وَغَيْرُهُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ يَحْمِلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ؟
وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، فَضَحِكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَقِيبَ ذَلِكَ:
(1) المجادلة (58) : 7.