فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 387

وهذه استعارة، والمراد بقوله: «فإنّها بكم برّة» يرجع إلى أنّها كالامّ للبريّة لأنّ خلقهم ومعاشهم عليها، ورجوعهم إليها، فلمّا كانت الأرض تسمّى «امّا» لنا من الوجوه التي ذكرناها، كان قوله عليه الصلاة والسلام: «فإنّها بكم برّة» يرجع إلى وصفها بالامومة لأنّهم يقولون:

«الأرض ولود» يريدون كثرة إنشاء الخلق واستيلادهم عليها. وقال ذو الرّمّة في وصف الامّ بالبرّ وهو يذكر فراخ النعام:

جاءت من البيض زعرا لالباس لها ... إلّا الدّهاس وأمّ برّة وأب [1]

و «الدّهاس» الرّمل.

ولقوله عليه الصلاة والسلام: «تمسّحوا بالأرض» وجهان:

أحدهما، أن يكون المراد التيمّم منها في حال الطهارة وحال الجنابة.

والوجه الآخر: أن يكون المراد مباشرة ترابها بالجباه في حال السجود عليها، وتعفّر الوجوه فيها، ويكون هذا القول أمر تأديب، لا أمر وجوب لأنّ من سجد على جلدة الأرض ومن سجد على حائل بينها وبين الوجه، واحد في إجزاء الصلاة، إلّا أنّ مباشرتها بالسجود أفضل.

وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى الْخُمْرَةِ»

[2] ، وهي الحصير الصغير يعمل من سعف النخل، فبان أنّ المراد بذلك فعل الأفضل، لا فعل الأوجب.

(1) لسان العرب 6: 89، جمهرة أشعار العرب: 448، الزعر: جمع أزعر، وهو من قلّ شعره وتفرّق حتّى بدا جلده.

(2) صحيح البخاري 1: 124/ 333، و 143/ 379و 381، صحيح مسلم 1: 383/ 513و 661، سنن أبي داود 1: 176/ 656.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت